مركزية الطاقة:

تحولات القوة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
مركزية الطاقة:
29 يونيو، 2022

سلطت المنافسة الجيوسياسية الدائرة بين القوى الكبرى، تزامناً مع احتدام الحرب الأوكرانية، الضوء على الأهمية السياسية والاقتصادية التي تحظى بها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فقد ترأست نائبة الرئيس الأمريكي كامالا هاريس مؤخراً “الوفد الأقوى” الرفيع المستوى منذ تولي الرئيس جو بايدن منصبه، الذي قَدِم إلى الإمارات لتقديم التعازي في وفاة رئيس الدولة السابق صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، وكذلك كانت محاولة لتكثيف الجهود لتهدئة الأجواء المتوترة مع الحلفاء في منطقة الخليج.

وفي المقابلة التي أجراها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع مجلة ذا أتلانتيك الشهرية في مارس 2022، بعد أسبوع من بدء الصراع في أوكرانيا، بدا ولي العهد السعودي غير مكترث بما يعتقده بايدن عنه، وصرح بأنه ينبغي للسيد بايدن أن يركز على المصالح الوطنية لبلاده. وبرر ولي العهد السعودي عدم رغبة بلاده في ضخ المزيد من النفط بارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل في فبراير.

ومع بداية الأزمة الأوكرانية، تباحثت واشنطن مع قطر لتلبية احتياجات أوروبا في حالة نقص احتياجاتها من الطاقة. وفي شهر مارس الماضي، كانت ألمانيا وقطر قد اتفقتا بالفعل على صفقة غاز؛ ما جعل قطر تساعد في إنهاء الاعتماد على النفط الروسي. وفي غضون ذلك، أجرى وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف زيارة غير معلنة إلى الجزائر، في حين نظرت دول أوروبية، منها إيطاليا وإسبانيا ودول أخرى أعضاء في الاتحاد الأوروبي، في الاعتماد على بدائل مختلفة لحل أزمتها المتعلقة بالطاقة.

كما تُعد الجزائر هي الأخرى من أهم موردي الغاز إلى أوروبا؛ حيث تُؤَمِّن ما نسبته 11% من وارداتها، في حين توفر روسيا هي الأخرى ما نسبته 47% من احتياجاتها من الغاز. فبعد زيارته إلى الجزائر، أجرى لافروف زيارة أخرى غير معلنة بهدف مناقشة قضايا الطاقة، ولكن هذه المرة إلى سلطنة عُمان، التي كان قد زارها من قبل خلال عام 2016. وأكد الأخير، خلال اللقاء الذي جمعه بالسلطان هيثم بن طارق، التزام عُمان تجاه تحالف أوبك بلس، وشدد على ضرورة الالتزام بسيادة القانون الدولي.

وتسلط هذه الأمثلة الضوء على قوة الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في قطاعات الاقتصاد والطاقة. ويتضح أن هذا ليس بجديد؛ فدائماً ما كان يُنظر إلى هذه الدول على أنها من أبرز الحلفاء التاريخيين للقوى الفاعلة عالمياً، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى موارد الطاقة التي تتمتع بها. ومع ذلك، يمكن القول إن الصراع في أوكرانيا يمثل نقطة فارقة في تحول ديناميات القوة هذه. فبدلاً من نفوذ القوى الكبرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، برزت المنطقة الآن كتكتل قوي على الصعيد العالمي.

نقاط القوة

استمدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وخاصةً دول الخليج العربي الغنية بمصادر الطاقة، قوتها من إمكاناتها الاقتصادية وسياساتها الخارجية الحازمة. فقد أجرت هذه الدول مجموعة من دراسات الحالة في إطار نقاشات علمية بشأن القوى العالمية، متحديةً نظريات العلاقات الدولية الراسخة. ومع ذلك، ركزت غالبية التحليلات على دراسة توازن القوى الإقليمي، بما في ذلك إعادة توزيع القوى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نتيجةً لمجموعة من الأحداث مثل الحرب على العراق واحتجاجات ما سُمي “الربيع العربي” والأحداث التي أعقبت ذلك.

بالإضافة إلى ذلك، أثارت هذه الأحداث نقاشات علمية فيما بعد بشأن استخدام مصطلحي “الدولة الضعيفة” و”الدولة القوية”، كما نوقش في مجلد السياسات الهشة لعام 2016: الدول الضعيفة في الشرق الأوسط الكبير، بقلم مهران كامرافا. وفي عام 2013، أشار كريستيان كوتس أولريخسن إلى صعود القوى الخليجية، وزعم أن البنية المتغيرة للسياسة العالمية تشير إلى أن القوة ستوزَّع بين عدد أكبر من الجهات الفاعلة التي يأتي معظمها من خارج المجتمع الغربي. وفي السياق ذاته، أوضح أن دول الخليج ستواصل صعودها بوصفها قوى إقليمية مع زيادة انتشارها عالمياً؛ وذلك في إطار عملية إعادة تنظيم أوسع للنظام الدولي.

من ناحيةٍ أخرى، يمثل الصراع في أوكرانيا نقطة تحول مختلفة لتوازن القوى العالمي، مع زيادة إدراك الأهمية العالمية للجهات الفاعلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفي هذا الصدد، يبدو من غير الجيد تأطير الموقف من حيث تداول السلطة بعيداً عن السلام الأمريكي ونحو عالم متعدد الأقطاب (أو النتائج المحتملة الأخرى للحرب في أوكرانيا) مع مجموعة من القوى الكبيرة والصغيرة المحددة بوضوح. بدلاً من ذلك، يبدو أن من الأفضل عدم الوقوف عند وجهة النظر المتمحورة حول الدولة في فهم توزيع القوة بين القوى الخارجية والجهات الفاعلة الإقليمية والنظر في الدور الحاسم للمنطقة ككل.

حيث تتمثل إحدى طرق التعبير عن هذا التحول في الإشارة إلى تحول العالم نحو نظام دولي يتكون من تكتلات قائمة على الاحتياجات الأمنية. على سبيل المثال، تسعى فنلندا والسويد للانضمام إلى حلف الناتو، في حين ينظر الاتحاد الأوروبي في طلبات العضوية المقدمة من أوكرانيا وجورجيا ومولدوفا. وفي الوقت نفسه، تحتفظ روسيا بعلاقات وثيقة مع بيلاروسيا ويمكنها الاتحاد مع أوسيتيا الجنوبية. وفي هذه الحالات، يتحول العالم نحو تكتلات موحدة من حيث المصالح الوطنية مدفوعةً في المقام الأول بالمخاوف الأمنية، رغم ما تتمتع به احتياجات الطاقة ومخاوف أمنها من أهمية خلال الصراع الأخير. ومن ثم ستستفيد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من هذه التحولات في النظام الدولي. كما تتحدى هذه التحولات وجهة النظر الليبرالية بشأن النظام الدولي ودور المؤسسات، وتتوافق على نحو أوثق مع التحليلات الواقعية الجديدة.

جدير بالذكر أن دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تشارك في المنظمات الرئيسية التي تُشكِّل سوق الطاقة العالمية. على سبيل المثال، يتحكم منتدى الدول المصدرة للغاز (GECF) في أكثر من 71% من احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة في العالم، و44% من الإنتاج المسوق و53% من التجارة عبر خطوط الأنابيب، و57% من صادرات الغاز الطبيعي المسال (LNG)؛ حيث تضم المنظمة دولاً من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: الجزائر ومصر وإيران وليبيا وقطر، فضلاً عن دول من خارج منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: بوليفيا وغينيا الاستوائية وروسيا وفنزويلا وترينيداد وتوباجو.

 كما تتمتع دول أخرى بوضع مراقب في منتدى الدول المصدرة للغاز بما في ذلك العراق والإمارات ودول أخرى من خارج منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفي الوقت نفسه، تشمل الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) الجزائر وإيران والعراق والكويت وليبيا والمملكة العربية السعودية والإمارات، بالإضافة إلى دول من خارج منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مثل أنجولا والكونغو وغينيا الاستوائية والجابون ونيجيريا وفنزويلا. بالإضافة إلى ذلك، انضمت الدول غير الأعضاء في منظمة أوبك إلى المنظمة في أواخر عام 2016 لتشكيل تحالف أوبك بلس، بهدف ممارسة مزيد من السيطرة على سوق النفط الخام العالمية. هذا وتتقاسم دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا السلطة في مؤسسات الطاقة هذه مع غيرها من الجهات الفاعلة العالمية.

تجدر الإشارة أيضاً إلى أن أي دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمفردها لا تتمتع بقوة كافية في قطاع الطاقة؛ حيث تتجاهل وجهة النظر المحدودة للوضع المتمحور حول الدولة دور التعاون الإقليمي والتأثير الجماعي للمنطقة على المستوى العالمي، الذي يتجاوز سياسات الدولة الواحدة أو صفقاتها. إن ظهور منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تكتلاً موحداً من شأنه تمكينها لتصبح المًورد الأهم للطاقة عالمياً. فقد كانت الدول تتمتع بدرجة معينة من القوة بالفعل من خلال الاتفاقيات الإقليمية، لكنها وجهت هذا النفوذ الاقتصادي في إطار “لعبة صفرية” بدلاً من الحصول على وضع إقليمي “مثمر للجميع”.

تكتل إقليمي

ركزت السياسات الصفرية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على منح الأولوية لقوة الإكراه؛ حيث تركز وجهة النظر المتمحورة حول الدولة والواقعية الجديدة للتحالفات الإقليمية على الجهات الفاعلة الحكومية الساعية إلى فرض مصالحها على الآخرين من خلال الأعمال العسكرية العلنية أو السرية أو من خلال تعزيز التفوق الاقتصادي. ومن ثم يظل الجيش من المكونات الرئيسية للتفكير الاستراتيجي في المنطقة. ومع ذلك، ينطوي منح الأولوية للقوة الاقتصادية على إمكانات أكبر لتقديم الجهات الفاعلة الغنية بالطاقة في المنطقة على الساحة العالمية.

فمن خلال العمل تكتلاً واحداً، يرجح تحقيق المنطقة استفادة أكبر من التعامل مع دبلوماسية الطاقة كأداة لقوة الإقناع. ومع ذلك، انتُقِدَت أساليب قوة الإقناع بسبب أنها مثالية للغاية، خاصةً بالنظر إلى المنافسة الداخلية في المنطقة، ورغبة الجهات الفاعلة الإقليمية الحثيثة في منح الأولوية لاستراتيجيات قوة الإكراه. باختصار، تتمثل العقبة الرئيسية لوجهة النظر المتمحورة حول الدولة لبناء تحالفات في المنطقة في بدء الدول في التنافس بعضها ضد بعض، بدلاً من العمل من أجل تحقيق مصالح مشتركة.

بناءً على ذلك، انعكست هذه التفاعلات أيضاً في جداول أعمال السياسة الخارجية المتباينة للجهات الفاعلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. على سبيل المثال، التقى أمير قطر الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في طهران؛ حيث بدأت تظهر علامات تعثر محادثات إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 بين طهران والقوى العالمية الكبرى. ومن المعلوم أن إيران وقطر جارتان تتشاركان أكبر احتياطيات الغاز الطبيعي على مستوى العالم؛ لذا في حال عودة خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، ستستفيد إيران وقطر على السواء من وجود خطة متماسكة لإتاحة موارد الطاقة لديهما؛ فهناك مؤشرات بالفعل على بدء حدوث ذلك في المنطقة وخارجها. فعلى سبيل المثال، وافقت إيران الأسبوع الماضي على إحياء مشروع خط أنابيب غاز رئيسي إلى سلطنة عُمان. وقد ترتب على ذلك إجراء مناقشات أولية بشأن استثمار الاتحاد الأوروبي في المشروع والواردات المستقبلية بمجرد رفع العقوبات الأمريكية.

في سياقٍ متصل، تم اتخاذ خطوات على المستوى الدولي بشأن التوجهات والمفاوضات السياسية الجديدة. ففي يناير 2022، زار الرئيس الإيراني موسكو. وتمثل الهدف من الزيارة في كسب تأييد موسكو من خلال استخدام الخطاب المعادي للغرب عند مخاطبة مجلس الدوما (مجلس النواب في الجمعية الاتحادية الروسية) والدفاع عن روسيا أثناء التوترات المستمرة مع الغرب؛ حيث أشار إلى فشل “استراتيجية الهيمنة” وإلى أن الولايات المتحدة قد وضعت نفسها الآن “في أضعف موقف لها”.

 ومع ذلك، أفادت التقارير بأن الزيارة أثارت موجة من الانتقادات ولم تلقَ استحساناً، وغادر الرئيس الإيراني موسكو خالي الوفاض، فلم يتمكن من تجديد اتفاقية سابقة عُقِدت منذ عشرين عاماً (وانتهت الآن) بين روسيا وإيران. كما التقى الرئيس الإيراني في مايو وزير الخارجية البولندي زبيجنيو راو. وركز الاجتماع على تحسين العلاقات في قطاعات التجارة والثقافة والعلوم، كما اعتُبِر بمنزلة محاولة لتمهيد الطريق لمفاوضات الطاقة المستقبلية بمجرد تجديد خطة العمل الشاملة المشتركة. وفي الوقت نفسه، زار أمير قطر (جار إيران) إسبانيا، في الوقت الذي كان يفكر فيه الاتحاد الأوروبي في إيجاد بدائل للغاز الروسي. فرغم عدم الإعلان عن اتفاقيات مشتركة رسمية، يبدو أن إيران وقطر وسلطنة عُمان تنتهج استراتيجيات تعود بالنفع على جميع الأطراف لتزويد أوروبا بالطاقة. وبذلك، فإن هذه الدول الثلاث تواجه منافسة مباشرة ضد جهات فاعلة إقليمية أخرى، في نهج “اللعبة الصفرية”.

من جانبها، تواصل إيران اتباع سياسات إقليمية من شأنها تقويض حقوق جيرانها، مثل دعمها ميليشيات الحوثي الإرهابية التي نفذت هجمات إرهابية ضد السعودية والإمارات. ويتضح للعيان أن هذه الأعمال تهدف إلى تقويض القوة الاقتصادية لهذه الدول. وفي حادث آخر وقع مؤخراً، أفادت الأنباء باجتماع مسؤولين أكراد وأتراك وأوروبيين لمناقشة خطة لضخ الغاز الكردي إلى تركيا وأوروبا، بدعم ومشاركة محتملة من قِبل إسرائيل. وحسب ما أفادته الأنباء، تمت إدانة ذلك نظراً إلى أنه بسبب اتفاقية التوريد هذه، قصفت إيران أربيل بصواريخ باليستية خلال شهر مارس الماضي.

مقاربة مثمرة

وختاماً، فإن القوى العالمية الكبرى منشغلة في الوقت الحالي بالمخاوف الأمنية والعسكرية المتعلقة بالأزمة الناشئة في أوروبا، وقد حان الوقت بالنسبة إلى دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتغيير عقليتها. كما يمكن لظهور المنطقة كتكتل أن يمنح الأولوية لمقاربات “مثمرة للجميع” باستخدام القوة المستمدة من موارد الطاقة الخاصة بها؛ فمن خلال التحول من المنافسة الداخلية إلى الاتفاقيات الإقليمية بشأن توفير الطاقة على الصعيد العالمي، بات بإمكان دول المنطقة تعزيز مكانتها على الساحة العالمية ودعم نفوذ المنطقة واستقلاليتها.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%85%d8%b1%d9%83%d8%b2%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a7%d9%82%d8%a9/