مسار مزدوج:

كيف توظف إيران المفاوضات لبلوغ "العتبة النووية"؟
مسار مزدوج:
16 سبتمبر، 2021

تزايدت احتمالات انعقاد جولة جديدة من المفاوضات التي توقفت بين إيران ومجموعة “4+1” بمشاركة الولايات المتحدة بشكل غير مباشر، في 20 يونيو الماضي؛ وذلك بعد الزيارة التي قام بها المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رفاييل غروسي، إلى طهران في 12 سبتمبر 2021، لكن التفاهمات التي توصل إليها “غروسي” في طهران تبدو مؤقتة، وربما تكون مرشحة للانهيار؛ بسبب اتساع مساحة الخلافات بين الطرفين، إلا في حالة إقدام طهران على اتخاذ خطوة إجرائية لتسهيل عقد الجولة السابعة من المفاوضات، التي قد تكون مفتوحة على أكثر من مسار في النهاية، وهو ما يثير التساؤل بشأن ما إذا كانت طهران تعمد إلى استراتيجية “المسار المزدوج” من خلال إطالة أمد المفاوضات لأطول فترة ممكنة لتحقيق هدفها النهائي بالوصول إلى العتبة النووية التي تمكنها من تصنيع أسلحة نووية؛ حيث استطاعت إيران رفع مستويات تخصيب اليورانيوم لديها إلى نحو 60%، وهي نسبة كبيرة تعني اقترابها من نسبة 90% اللازمة لتصنيع الوقود اللازم لصنع القنبلة النووية.

متاهة التفاوض

يمكن النظر إلى حرص طهران على استمرار المفاوضات وعدم إنهائها كليًّا، باعتباره أداة لكسب مزيد من الوقت للوصول إلى نسبة تخصيب اليورانيوم اللازمة لصنع أسلحة نووية، خاصةً أن تلك الجولات من المفاوضات لا تُلزِم إيران بأي تنازلات تعيق مسارها النووي الاستراتيجي، وهو ما يمكن بيانه في النقاط التالية:

1– عدم تقديم إيران تنازلات مسهلة لمهمة “غروسي”: رغم الضغوط والانتقادات القوية التي تعرضت لها إيران من جانب الدول الغربية بسبب تراجع تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ فإنها كانت حريصة على عدم تقديم أي تنازلات تسهل مهمة “غروسي”. ففضلاً عن أنها رفضت في البداية طلباً تقدم به الأخير للقيام بتلك الزيارة، ثم وافقت بعد تدخل من جانب روسيا؛ فقد رفضت تجديد الاتفاق الذي توصلت إليه مع الوكالة في فبراير 2021، الذي كان يقضي بالسماح ببعض الخطوات التي يقوم بها المفتشون الدوليون داخل المنشآت النووية، وتوقف العمل به في 24 يونيو الماضي.

2– مصادرة رقابة الوكالة على الأنشطة النووية: لا تزال إيران حريصة على منع المفتشين الدوليين من الوصول إلى المعلومات التي تحتويها كاميرات المراقبة، والتي تكشف عن الأنشطة التي قامت بها في الفترة الماضية بعيداً عن رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي هذا الإطار، أشارت تقارير عديدة في طهران إلى مصطلح “العتمة النووية”، في إشارة إلى أن الوكالة ومفتشيها لا يستطيعون في الوقت الراهن مراقبة ما تقوم به إيران من أنشطة على مستوى عمليات تخصيب اليورانيوم واستخدام أجهزة طرد مركزي من طرازات أكثر تطوراً، لا سيما “IR4″ و”IR6”.

3– إحراز مزيد من التقدم في النشاط النووي: استغلت إيران فترة توقف المفاوضات مع القوى الدولية، بحجة الانشغال في إجراء الانتخابات الرئاسية ثم تشكيل الحكومة الجديدة، من أجل الوصول إلى أعلى مستوى في نشاطها النووي. وقد أشارت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى ذلك بوضوح، في التقرير الذي أصدرته في 7 سبتمبر 2021، والذي كشف عن تمكن إيران من إنتاج 10 كيلوجرامات من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، ونحو 84 كيلوجراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 20%. وقد دفع ذلك بعض المراقبين إلى ترجيح أن تكون إيران في حاجة إلى شهر واحد لامتلاك القدرات التي تمكنها من إنتاج أول قنبلة نووية.

4– استغلال توجه واشنطن إلى بلوغ صفقة نووية جديدة: بدا واضحاً في رؤية إيران أن إدارة جو بايدن لا تزال لديها الرغبة في الوصول إلى صفقة نووية جديدة خلال مفاوضات فيينا مهما كان الثمن. ومن هنا، ورغم كل التهديدات التي وجهتها واشنطن إلى طهران؛ فإنها في الوقت نفسه كانت حريصة على تأكيد أن المؤتمر الحالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية لن يشهد إدانة أنشطة إيران النووية، مع أن إيران وصلت في انتهاكاتها للاتفاق النووي وتصعيدها ضد الوكالة إلى مستوى غير مسبوق. وعليه، فإن الموقف الأمريكي يشجع إيران على الإمعان في تبني السياسة المتشددة نفسها في المرحلة القادمة.

5– الاستناد إلى دعم موسكو لتوسيع هامش المناورة: ترى إيران أن العلاقات القوية مع روسيا تحديداً لا توفر لها أوراق ضغط فقط في مواجهة الدول الغربية، بل تساعدها على توسيع هامش المناورة وحرية الحركة المتاحة أمامها، مستندةً إلى وجود ظهير دولي يستطيع حمايتها ضد صدور أي قرارات إدانة قد تكون لها عواقب وخيمة على مصالحها وحساباتها. وكانت روسيا صريحة في تأكيد أنها سوف تقف ضد أي محاولة لإدانة إيران في مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ حيث قال المندوب الروسي لدى المنظمات الدولية ميخائيل أوليانوف، في 10 سبتمبر 2021: “لا ينبغي أن تكون هناك أوهام. إذا تم تقديم مشروع قرار بشأن إيران إلى مجلس المحافظين بالوكالة الدولية للطاقة الذرية للنظر فيه، فإن روسيا ستصوت ضده”.

سياسات المناورة

على ضوء ذلك، يمكن القول إن إيران تحولت إلى الطرف الذي بإمكانه فرض إرادته خلال المفاوضات التي تجري مع القوى الدولية في فيينا لتحقيق أهدافها النووية الاستراتيجية؛ ففي الوقت الذي توقفت فيه المفاوضات، اتجهت إيران إلى رفع مستوى أنشطتها النووية على نحو غير مسبوق، وهو ما تسعى من خلاله إلى الحصول على أكبر قدر من المكاسب الاستراتيجية من جانب تلك القوى، وهو ما يمكن استعراض مؤشراته على النحو التالي:

1– رفع إيران مستويات تخصيب اليورانيوم: بعد أن حدد الاتفاق النووي الإيراني درجة نقاء 3.7% كحد أقصى لمستويات تخصيب اليورانيوم في إيران لضمان استخدامها اليورانيوم في إطار محطات الطاقة النووية دون الأغراض العسكرية؛ فإن الأخيرة تحججت في البداية بالحاجة إلى تزويد مفاعل أبحاث لإنتاج النظائر الطبية بما يلزمه من اليورانيوم المخصب من أجل رفع مستوى التخصيب إلى 20%، ثم ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فوفقاً لما نشرته صحيفة نيويورك تايمز، في 13 سبتمبر 2021، بدأت طهران في أبريل الماضي تخصب مخزونها من اليورانيوم بنسبة 60% بعد الهجوم الإسرائيلي السيبراني الذي تعرضت له منشأة نطنز النووية الإيرانية، ودمر بعض أجهزة الطرد المركزي بها.

2– كسب ما يلزم من وقت لإنتاج قنبلة نووية: تستغرق عملية تخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء 60% وقتاً أطول بكثير مما يستغرقه تحقيق القفزة الأخيرة إلى مستوى 90% اللازم لصنع السلاح النووي، وهو ما يعني اقتراب طهران من الوصول إلى مستوى التخصيب اللازم لصنع السلاح النووي. ويشير تقرير صادر عن “معهد العلوم والأمن الدولي” إلى أن وصول إيران إلى معدل تخصيب 60% يعني أنها قادرة على رفع معدل التخصيب إلى 90%؛ ما يعني أيضاً قدرتها على إنتاج وقود قنبلة نووية واحدة في غضون شهر واحد، وإنتاج الوقود اللازم لصنع القنبلة النووية الثانية في غضون أقل من ثلاثة أشهر، ثم تستطيع إنتاج الوقود اللازم لصنع القنبلة النووية الثالثة في أقل من خمسة أشهر.

3– توظيف طهران انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي: يتحمل الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018 نصيباً كبيراً من المسؤولية عن تزايد القدرات النووية الإيرانية، واقترابها من تحقيق المستوى المطلوب لوقود تصنيع القنبلة النووية؛ فبعدما ألزم الاتفاق النووي عام 2015 إيران بشحن أكثر من 97% من وقودها النووي إلى خارج البلاد، فإن انسحاب واشنطن من الاتفاق عام 2018 مكَّن طهران من تجاهل التزامات الاتفاق، وإعلان عدم التزامها بكامل بنوده على خلفية هذا الانسحاب، وهو ما مكَّنها من المضي قُدماً لاستعادة قدراتها النووية عبر جهود بطيئة وثابتة يبدو أنها تحقق بالفعل نجاحات لطهران في ملفها النووي.

4– ممارسة الضغوط على واشنطن بالورقة النووية: كان المسؤولون الأمريكيون يتوقَّعون أن يسعى الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي إلى استئناف المفاوضات، والمطالبة بالمزيد من تخفيف العقوبات المفروضة على بلاده، بعد أن توقفت المفاوضات بين الطرفين حول العودة إلى الاتفاق النووي في يونيو 2021، قبل شهر من فوز رئيسي بانتخابات الرئاسة في إيران؛ إلا أن الأخيرة اعتمدت تكتيكاً مغايراً؛ فبجانب تطوير القدرات النووية الإيرانية كهدف في حد ذاته، فإن طهران تسعى أيضاً إلى توظيف ما تحققه من تقدم في معدلات تخصيب الوقود اللازم لصنع القنبلة النووية كتكتيك أيضاً للضغط على إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن؛ من أجل العودة سريعاً إلى الاتفاق النووي.

وبينما لم يعلق المسؤولون الأمريكيون على تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول إيران التي انتشرت بنودها على نطاق واسع رغم توزيعها سرًّا على الدول الأعضاء في المنظمة؛ فإن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين، قد أقر خلال رحلته الأخيرة إلى ألمانيا، بأن تقدم إيران في معدلات تخصيب اليورانيوم كان سريعاً جداً لدرجة أن استعادة الصفقة القديمة قد لا يكون له أي معنى فيما يخص الحيلولة دون امتلاك إيران التقنية اللازمة لصنع السلاح النووي؛ وذلك في ضوء تدويرها أجهزة طرد مركزي أكثر تطوراً، وتخصيب المزيد من المواد، وتعلُّم المزيد عن التقنية النووية طوال الفترة الماضية.

وختاماً.. فعلى الرغم من أن تنامي قدرات إيران في تخصيب اليورانيوم يعني اقترابها من النجاح في إنتاج الوقود اللازم لصنع قنبلة نووية؛ فإن ذلك لا يعني اقترابها بالفعل من صنع تلك القنبلة؛ حيث من المرجح أن تستغرق عملية تصنيع رأس نووي حربي حقيقي يمكن تحميله على صاروخ إيراني، وقتاً أطول بكثير؛ إذ تحتاج طهران من أجل تصنيع هذا الرأس تحويل الوقود إلى معدن، وهي الخطوة التي لا يزال الإيرانيون يختبرونها، ثم تحويله بعد ذلك إلى رأس حربي كامل. وقد تستغرق هذه العملية (تصنيع إيران سلاحاً نووياً) شهورًا أو سنوات أخرى، اعتماداً على ما تملكه إيران من مهارات فنية. ومن ثم، فإن واشنطن تنظر بقلق إلى تأثيرات هذه التطورات الإيرانية على أي مكاسب مأمولة من إعادة الاتفاق النووي؛ ما قد يدفعها إلى العودة السريعة إلى الاتفاق كما ترغب طهران، أو التخلي تماماً عنه كما هدد “بلينكن”.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%85%d8%b3%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b2%d8%af%d9%88%d8%ac/