معاهدة “أوكوس”:

تداعيات التحالف الدفاعي الجديد بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا
معاهدة “أوكوس”:
18 سبتمبر، 2021

شرعت الولايات المتحدة في اتخاذ أولى الخطوات الملموسة لمواجهة التهديدات الصينية المتنامية  – وفقاً لرؤية الإدارة الأمريكية- عقب أن إنهاء انسحابها العسكري من أفغانستان، وهو ما تجلى في إعلان الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، يوم 15 سبتمبر، خلال اجتماع افتراضي جمعه مع كل من: رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون”، ورئيس الوزراء الأسترالي “سكوت موريسون”، عن إطلاق شراكة أمنية دفاعية تاريخية بالاشتراك مع بريطانيا وأستراليا عُرفت باسم معاهدة “أوكوس”، تنطوي على مشاركة التقنيات العسكرية المتقدمة مع أستراليا، لتصبح بذلك كانبرا ثاني دولة تحظى بفرصة للاستفادة من الخبرة الأمريكية في مجال التكنولوجيا النووية بعد بريطانيا التي تتشارك معها واشنطن بالفعل هذه التكنولوجيا منذ 1958.

وقد تسببت الشراكة الأمنية الجديدة في ردود فعل غاضبة لدول الاتحاد الأوروبي وخاصة فرنسا، كما ترتب عليها إلغاء أستراليا صفقة كانت قد أبرمتها مع فرنسا، عام 2016، تُقدر بمليارات الدولارات، كان من المفترض أن تعمل بموجبها باريس على بناء 12 غواصة تقليدية تعمل بالديزل لصالح كانبرا. ومن شأن الاتفاقية الجديدة أن تدفع بالاتحاد الأوروبي نحو تعزيز الاستقلال الاستراتيجي والنظام الدفاعي الأوروبي عن الولايات المتحدة، هذا إلى جانب تنامي الرفض الصيني للشراكة الأمنية الجديدة في محيطها الاستراتيجي الحيوي، ودعوتها واشنطن إلى ضرورة التخلص من “عقلية الحرب الباردة والتحيز الأيديولوجي”.

دوافع وبنود التحالف

أوضح البيان المشترك الصادر عن واشنطن ولندن وكانبرا أن الهدف الرئيسي من التحالف ينصرف إلى تعزيز القدرة على العمل المشترك بينهم للحفاظ على استقرار منطقة المحيط الهندي الهادئ باعتبارها بؤرة للتوترات قابلة للاشتعال في أي لحظة. ويمكن تناول دوافع وأبعاد الشراكة عبر ما يلي:

1- احتواء التهديدات لأمن إقليم “الهندوباسيفيك”: اعتبر رئيس الوزراء الأسترالي أن التحديات المتفاقمة التي تشهدها منطقة المحيط الهندي – الهادئ استدعت أن تَرقى الدول الثلاث بالشراكة إلى مستوى جديد يعتمد على الانخراط والتمكين بدلاً من الاستبعاد والإكراه، ولا سيما في ظل الرؤية المشتركة لهذه الدول للكيفية التي يجب أن يبدو عليها النظام الدولي القائم على القواعد، والتأكيد على محورية احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون. ومن ثم يتمثل الهدف من هذا التحالف في تأسيس شراكة دفاعية بين الدول الثلاث لجعل منطقة المحيط الهندي الهادئ أكثر أماناً بما يصب في صالح المجتمع الدولي بأكمله، وخاصة في ظل التوترات المتعددة التي تشهدها المنطقة في ظل التهديدات الإرهابية المتفاقمة، والنزاعات الإقليمية، فضلاً عن المشاكل المرتبطة بالجريمة العابرة للحدود. وأكد “بايدن” على أن الحفاظ على منطقة المحيط الهندي الهادئ مفتوحة وحرة أمر حيوي، ولذلك ينبغي أن تكون الدول قادرة على التعامل مع التطورات في البيئة الاستراتيجية للمنطقة.

2- تبادل التقنيات المتقدمة لمواجهة التحديات الأمنية: لن تقتصر مظاهر الشراكة على نقل التكنولوجيا النووية إلى كانبرا فقط، بل تتسع مجالات التعاون لتشمل تلك التي تمكنهم من مجابهة التحديات الأمنية الناشئة. ومن المجالات التي اتفقت الدول الثلاث على التعاون بشأنها: الفضاء الإلكتروني، والذكاء الصناعي، والدفاع السيبراني، فضلاً عن “القدرات الإضافية تحت سطح البحر”، حيث اعتبر قادة الدول الثلاث أنه كان من الطبيعي أن تتوج العلاقات التعاونية الدفاعية الممتدة بين “الديمقراطيات البحرية” بخطوة تعزز من علاقات الصداقة والثقة التي تجمع بينهم.

3- نقل تكنولوجيا الغواصات النووية لأستراليا: تشمل المبادرة الأولى في الشراكة الاستراتيجية الجديدة الاتفاق على العمل على مدار الثمانية عشر شهراً القادمة لبحث أفضل السُبل التي تُمكن واشنطن ولندن من تسريع عملية نقل التكنولوجيا النووية لتمكين أستراليا من بناء 8 غواصات تعمل بالطاقة النووية، فضلاً عن وضع الأسس التنظيمية بشأن الإشراف النووي لواشنطن ولندن على كانبرا. كما ستنقل واشنطن ولندن فرقاً فنية واستراتيجية لمساعدة أستراليا على استيعاب التكنولوجيا النووية. وفي هذا الإطار، أكد “موريسون” على أن أستراليا لا تسعى لامتلاك أسلحة نووية، مشدداً على أنها ستواصل الوفاء بجميع التزاماتها المتعلقة بعدم الانتشار النووي، وموضحاً أن بلاده “تعتزم بناء هذه الغواصات في أديلايد، أستراليا، بالتعاون الوثيق مع الولايات المتحدة وبريطانيا”. كما أكد المسؤولون بالدول الثلاث، مراراً وتكراراً، على أن الغواصات ستعمل عن طريق الوقود النووي ولن تكون غواصات نووية.

4- تعزيز مكانة بريطانيا في إنتاج التكنولوجيا المتقدمة: يعتقد رئيس الوزراء البريطاني أن التحالف الجديد يوفر فرصة جيدة لبريطانيا لتعزيز مكانتها الدولية في مجال العلوم والتكنولوجيا لما ينطوي عليه الاتفاق من نقل التكنولوجيا النووية والتقنيات الأكثر تقدماً إلى كانبرا، والسماح للأخيرة بالاستفادة من الخبرة البريطانية في هذا المجال والعائدة لأكثر من 60 عاماً مضت عندما أطلقت لندن أول غواصة نووية. كما تمكنت بريطانيا بذلك من تجنب عزلة دولية محتملة في أعقاب خروجها من الاتحاد الأوروبي عبر تحقيقها مكسباً استراتيجياً من خلال انضمامها لهذا التحالف.

5- تطبيق الاستراتيجية الأمريكية في “الهندوباسيفك”: يكشف التحالف الجديد عن الجدية التي تأخذ بها إدارة “بايدن” المخاوف من تهديدات الصين المتزايدة إلى الحد الذي أجبرها على مشاركة تكنولوجيا حساسة مع أستراليا في ظل محدودية الدول التي تمتلك غواصات تعمل بالطاقة النووية، ولا سيما مع إشارة تقرير صدر حديثاً عن البنتاجون إلى أن الصين باتت أكبر قوة بحرية في العالم، فضلاً عن وجود أنباء تتحدث عن سعي “بايدن” لتأمين المزيد من القواعد العسكرية في أستراليا، والرغبة في نقل المزيد من القوات والقاذفات الأمريكية إلى شمال أستراليا، لاعتقاد واشنطن أن كانبرا ستنشر قواتها العسكرية في حال اندلاع حرب أمريكية صينية. كما ستفضي الغواصات إلى تنامي القدرات العسكرية الأسترالية، لصعوبة اكتشاف الغواصات التي تعمل بالوقود النووي من قبل الأساطيل البحرية، فضلاً عن قدرتها على إطلاق الصواريخ لمسافات أطول والبقاء في المياه لمدة أكبر.

6- توسيع نطاق التعاون العسكري بين واشنطن وكانبرا: اتفقت الولايات المتحدة وأستراليا على توسيع نطاق التعاون العسكري بين البلدين ليشمل نشر كافة أنواع الطائرات العسكرية الأمريكية في أستراليا، حيث أشار وزير الدفاع الأسترالي بيتر داتونسيتيح، إلى أن الاتفاق الأمني الجديد بين الولايات المتحدة وأستراليا سيسمح لواشنطن بإنشاء قواعد لوجيستية جديدة بما يعزز التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة، وتحسين قابلية العمل المشترك بين قوات البلدين. واتفق المسؤولون بواشنطن وكانبرا على تكثيف التدريبات المشتركة، وتأسيس “قدرات مشتركة” في مجال الخدمات اللوجيستية وفيما يتعلق بصيانة الغواصات الجديدة. وفي هذا الإطار، أعلن رئيس وزراء أستراليا سكوت موريسون، أن بلاده ستحصل على صواريخ كروز الأمريكية طراز “توماهوك” مما سيعزز من قدراتها الجوية كذلك.

ارتدادات عالمية واسعة

تسببت الشراكة الأمنية المستجدة في ردود فعل غاضبة لدول الاتحاد الأوروبي، وخاصة فرنسا، كما سيترتب عليها عدد من التداعيات الاستراتيجية، وهو ما يمكن تناوله عبر ما يلي:

1- إدانة فرنسا لـ “الدبلوماسية الأحادية – السرية”: أثار الإعلان عن التحالف الأمني الجديد غضب فرنسا بشكل كبير، ولا سيما في ظل اتهام واشنطن بعدم التشاور معها بخصوص الاتفاق الذي لم يتمخض بالتأكيد بين عشية وضحاها. وأعربت فرنسا عن شعورها بالأسف لإقدام واشنطن على استبعاد حليف وشريك أوروبي مثلها باعتباره يكشف عن عدم التماسك بين الحليفين، مقارنة الخطوة التي اتخذها “بايدن” بتصرفات سلفه “دونالد ترامب”، الذي عمد إلى اتخاذ القرارات الدولية بشكل منفرد. وترتب على ما سبق إلغاء المسؤولين بالسفارة الفرنسية في واشنطن احتفالاً، مساء الجمعة 17 سبتمبر، بمناسبة الذكرى السنوية الـ240 لمعركة عسكرية، بالإضافة لسحب سفراء باريس لدى كل من الولايات المتحدة وأستراليا للتشاور للاحتجاج على التوصل إلى الصفقة مع لندن وكانبرا بدون التشاور معها.

يُذكر أن غضب فرنسا من واشنطن يُعيد إلى الأذهان الخلاف الذي وقع بين البلدين في 2003 حول الحرب العراقية، حيث لم تشهد العلاقات الثنائية بينهما طوال السنوات الماضية ومنذ 2003 وحتى الوقت الحالي لغة تصعيد مشابهة. ويبدو أن المسؤولين الأمريكيين تعمدوا إخفاء الصفقة عن فرنسا لإدراكهم أنها لن توافق عليها مسبقاً، وهو الأمر الذي يزيد من الشكوك حول أن واشنطن لم تعد شريكاً موثوقاً فيه بالنسبة لباريس. كما أن هذا التحالف من المحتمل أن يُعزز من رغبة فرنسا في استقلال الاتحاد الأوروبي استراتيجياً ودفاعياً لكي يكون أقل اعتماداً على واشنطن. ومن غير الواضح، حتى الوقت الحالي، تداعيات الانزعاج الفرنسي من المعاهدة الجديدة، وما إذا كان سيظل غضباً عابراً أم ستكون له آثار ممتدة على العلاقات الثنائية بين البلدين.

2- تراجع مكانة فرنسا في أسواق الغواصات الحربية: أكد “موريسون” على أن أستراليا ستلغي صفقة أبرمتها مع فرنسا عام 2016 تُقدر بمليارات الدولارات، كان من المفترض أن تعمل بموجبها على بناء 12 غواصة تقليدية تعمل بالديزل، باعتباره يكشف عن تغيير في احتياجات أستراليا. وأثار إعلان “موريسون” عن إلغاء العقد امتعاض فرنسا، حيث اعتبرته “صفقة القرن” للصناعات الدفاعية الفرنسية، لإسهام الشراكة الجديدة في تقويض قدرة فرنسا على بيع الغواصات التقليدية. حيث أشار وزير الخارجية الفرنسي “جان إيف لودريان”، إلى أن اتخاذ أستراليا لهذا القرار بمثابة “طعنة في الظهر”، مضيفاً: “لقد بنينا علاقة ثقة مع أستراليا، وقد تمت خيانة هذه الثقة”.

3- تحفيز توجّه الاتحاد الأوروبي للاستقلال الاستراتيجي: أثبتت الأحداث التي وقعت مؤخراً، وعلى رأسها الانسحاب من أفغانستان، أن الاتحاد الأوروبي غير قادر على الظهور كقوة دفاعية قائمة بذاتها، ومن ثم سيتجه الاتحاد الأوروبي لبحث سُبل تعزيز قضية الاستقلال الاستراتيجي والنظام الدفاعي للاتحاد الأوروبي. ومن الجدير بالذكر أن انزعاج الاتحاد الأوروبي وفرنسا بشأن الصفقة ليس لعدم تضمينهم فيها، بل لأنه لم تتم مشاورتهم من الأساس. ومن ثم، أكد منسق السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي “جوزيب بوريل”، أن هذه الاتفاقية المبرمة بدون مشاورة الاتحاد الأوروبي “تتطلب الحاجة إلى وضع الحكم الذاتي الاستراتيجي الأوروبي على رأس جدول الأعمال”، وهو الأمر الذي أكده الجانب الفرنسي باعتباره الوسيلة الوحيدة الفعالة للدفاع عن المصالح الأوروبية في المجتمع الدولي بما فيها منطقة المحيط الهندي الهادئ. وبناءً على ما سبق، أعلن الاتحاد الأوروبي عن استراتيجية جديدة لمنطقة المحيط الهندي الهادئ عقب ساعات قليلة من الكشف عن تحالف “أوكوس”.

4- تنديد الصين بـ “عقلية الحرب الباردة” و”التحيز الأيديولوجي”: تجلت مظاهر الرفض الصيني للشراكة الأمنية الناشئة في التصريحات على المستوى الرسمي، حيث دعت السفارة الصينية بواشنطن إلى ضرورة التخلص من “عقلية الحرب الباردة والتحيز الأيديولوجي”، من منطلق أن الدول لا ينبغي عليها أن تؤسس “تكتلات إقصائية” بهدف استهداف أو إلحاق الضرر بمصالح دولة أخرى. ونددت الحكومة الصينية بالصفقة التي وصفتها بأنها غير مسؤولة على الإطلاق على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية “تشاو ليجيان”، الذي اعتبر أن واشنطن ولندن أقدمتا على تصرف غير مسؤول من شأنه أن يقوض الاستقرار الإقليمي والجهود الرامية للحد من الانتشار النووي بما يعنيه من تكثيف لسباق التسلح النووي عبر إمداد أستراليا بالتكنولوجيا النووية، بينما اعتبر “جونسون” أن اقتناء أستراليا للغواصات التي تعمل بالتكنولوجيا النووية يحافظ على الاستقرار بالمنطقة، موضحاً أن هذه الخطوة لم تهدف إلى معاداة أي دولة.

5- تزايد المناوشات بين الولايات المتحدة والصين في الهندوباسيفيك: يعتقد البعض أن الصين لن تفسر الشراكة الأمنية الجديدة على أنها مجرد تحدٍ لنفوذها الإقليمي في المنطقة، بل من المتوقع أن تعتبره تهديداً للوجود الصيني وللأيديولوجيا الصينية لصالح تعزيز الأفكار والقيم الأمريكية المتمركزة حول الديمقراطية والليبرالية الاقتصادية. كما أنه من المتوقع أن يغلب الطابع الأيديولوجي كذلك على المنافسة الاستراتيجية بين الدول خلال الفترة المقبلة. وكرد على الصفقة الجديدة، من المحتمل أن تلجأ الصين، بالاستناد إلى مواقفها السابقة، إلى توظيف الأداة الاقتصادية كرد على المبادرات الدفاعية، في محاولة للحيلولة دون انحياز الدول للجانب الأمريكي.

6- اختيار أستراليا سياسة “الانحياز الاستراتيجي”: حاول رئيس الوزراء الأسترالي الحفاظ على حياد كانبرا في علاقاتها بكل من الولايات المتحدة والصين على مدار السنوات السابقة. فمن جهة ترغب أستراليا في الحفاظ على العلاقات التجارية مع الصين باعتبارها أكبر شريك تجاري لها، وعلى الجهة الأخرى تحرص على تعزيز العلاقات مع الحليف الأمني الرئيسي لها وهي الولايات المتحدة. فمنذ ثلاث سنوات أكد “موريسون” على أن كانبرا ليست في حاجة للاختيار بين الدولتين، ولكن أظهرت الشراكة الدفاعية الجديدة أن أستراليا اختارت بالفعل الانضمام إلى الجانب الأمريكي، فيما يبدو “شراكة دائمة” وما تعنيه ضمنياً من معاداة الصين. ووفقاً للبعض فإن رهان أستراليا على بقاء الولايات المتحدة في المنطقة، وخاصة لو أقبلت الصين على استخدام القوة للحفاظ على مصالحها بالمنطقة، أمر يكتنفه الغموض والشكوك، لأنه من الممكن أن تُقدر الولايات المتحدة مستقبلاً أن تكلفة المنافسة مع الصين مرتفعة للغاية، وبالتالي تتراجع عن التزاماتها تجاه الحلفاء بالمنطقة.

7- تصاعد الشكوك الأوروبية بشأن النوايا الأمريكية: يعتقد البعض أن فترة التوافق بين “بايدن” والحلفاء الأوروبيين تأثرت بشدة نتيجة للتحركات الفردية للولايات المتحدة في العديد من القضايا، والتي توجت بالاتفاق على شراكة أمنية جديدة في منطقة المحيط الهندي الهادئ استبعدت دول الاتحاد الأوروبي وخاصة فرنسا، وهو الأمر الذي أعاد الشكوك الأمنية لدى الاتحاد الأوروبي بشأن الولايات المتحدة، ولما لذلك من تداعيات محتملة على هدف “بايدن” المتمثل في توحيد الدول الديمقراطية ضد الاستبداد المتزايد الذي تمثله كل من الصين وروسيا على وجه التحديد. وعلاوة على ما سبق، يبدو أن الزخم الأوروبي والحماس الذي أغرق الأوروبيين لتنصيب “بايدن” على أمل وفائه بوعده لإعادة الشراكة والعلاقات مع الدول الأوروبية قد بدأ في التلاشي.

8- رفض نيوزيلندا دخول غواصات نووية مياهها الإقليمية: مع ترحيب نيوزيلندا بالشراكة الجديدة بين كانبرا وواشنطن، رغم إقصائها منها؛ إلا أنها أكدت على أنها لن تسمح بدخول غواصات نووية أسترالية تعمل بالطاقة النووية إلى مياهها الإقليمية بالاستناد إلى السياسات القائمة منذ 1985، والتي تحظر دخول أي قطعة بحرية تعمل بالوقود النووي إلى المياه الإقليمية لبلادها، وهو ما قد ينذر مستقبلاً بتوتر في العلاقات بين كانبرا ونيوزيلندا، وخاصة في ظل التوقعات بعدم انضمام المزيد من الدول لتحالف “أوكوس” للسماح للدول الثلاث بالتركيز الاستراتيجي، بالنظر إلى المتطلبات المعقدة التي تفرضها طبيعة التحالفات الكبيرة. ويُذكر أن نيوزيلندا مشتركة في تحالف العيون الخمس الاستخباراتي مع بريطانيا، كما يختلف تحالف “أوكوس” عن الحوار الأمني الرباعي بأنه أكثر تركيزاً على الدول الأنجلوسكسونية، بيد أنه لا يتضمن ترتيبات أمنية جديدة، ولم يسعَ إلى إشراك دول أخرى، لذلك يُعد “أوكوس”، وفقاً للبعض، بمثابة تعزيز للحوار الأمني الرباعي وللآسيان وللشراكات الثنائية الإقليمية في المنطقة.

9- تدهور متوقع للعلاقات الأسترالية – الصينية: من المتوقع أن تشهد العلاقات بين بكين وكانبرا المزيد من التدهور، حيث تصاعدت حدة التوترات بين البلدين على مدار الأعوام الماضية على خلفية فرض رسوم جمركية صينية على عدد من السلع الأسترالية لانتقاد الحكومة الأسترالية للكيفية التي تتعامل بموجبها السلطات الصينية مع أقلية الإيجور، فصلاً عن المطالبة بإجراء تحقيق دولي للتعرف على أصول فيروس كورونا. وفي هذا الشأن، وجهت أستراليا دعوة للرئيس الصيني للحوار المفتوح بعد أن اتهمتها الصين بالعمل على تقويض العلاقات الثنائية المتدهورة بالفعل. وحاولت أستراليا طمأنة عدة دول، حيث أجرى رئيس الوزراء الأسترالي اتصالات هاتفية بالقادة في كل من نيوزيلندا واليابان والهند لشرح طبيعة تحالف “أوكوس”.

10- فاعلية محدودة للمحاولات الأمريكية لتهدئة فرنسا: في محاولة لتهدئة الغضب الفرنسي، أقدم وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن”، على طمأنة فرنسا خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيرته الأسترالية “ماريز باين”، يوم الخميس 16 سبتمبر، من خلال التأكيد على أن فرنسا شريك رئيسي لواشنطن وأن التحالف سيتم توسيعه ليشمل دول أخرى غربية. ووجه “بلينكن” رسالة للصين، حيث أكد على أن التحالف الدفاعي يؤكد على أن أستراليا لن ترضخ للضغوط الاقتصادية الصينية. وصرح “بلينكن” كذلك بأنه لا يوجد انقسام إقليمي بين الأوروبيين بشأن “أوكوس”، كما أكد وزير الدفاع البريطاني على أن لندن لا توجد لديها أي نية لاتخاذ خطوة من شأنها أن تُغضب فرنسا.

ختاماً، من الواضح أن “بايدن” بدأ في تنفيذ استراتيجية تطويق الصين استراتيجياً عبر سياسات مغايرة لما اتبعه الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب”، والتي ركزت على المواجهة الاقتصادية المباشرة بين واشنطن وبكين، وخاصة أن الخطوة تأتي قبيل أيام من الاجتماع المقرر عقده يوم 24 سبتمبر بالبيت الأبيض بين قادة التحالف الأمني الرباعي. ورغم أن قادة الدول الثلاث في تحالف “أوكوس” لم يشيروا إلى الصين صراحة، إلا أنه من الواضح أن التحالف الجديد يهدف إلى تحدي النفوذ الصيني المتنامي في المنطقة، ولا سيما في ظل إصرار بكين على حقوقها في بحر الصين الجنوبي ونشر التعزيزات العسكرية به، وزيادة الضغوط التي تمارسها على تايوان، فضلاً عن رغبة “بايدن” في تحويل تركيز الأمن القومي الأمريكي لمواجهة التهديدات الصينية مقابل تراجع الاهتمام بالشرق الأوسط.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%87%d8%af%d8%a9-%d8%a3%d9%88%d9%83%d9%88%d8%b3/