معركة “الكابيتول”:

هل يواجه "ترامب" اتهامات جنائية تُعيق مستقبله السياسي؟
معركة “الكابيتول”:
28 يوليو، 2022

على الرغم من خسارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الانتخابات الرئاسية لعام 2020، فإنه يظل حاضراً في معظم الأحداث السياسية الأمريكية؛ وذلك لعدة عوامل أبرزها على الإطلاق ختام أعمال لجنة التحقيق بمجلس النواب الأمريكي حول أحداث اقتحام مبنى الكابيتول هيل، في 6 يناير 2021 المعروفة باسم “لجنة 6 يناير”، التي أشارت إلى أن هذا الحادث بمنزلة “محاولة انقلابية” كان ترامب هو المسؤول عنها. ومع أن جلسات الاستماع في الكونجرس ليست محكمة قانونية، فإن بعض الشهادات التي وردت فيها تُعد بمنزلة لائحة اتهامات جنائية ضد الرئيس السابق، ويمكن لوزارة العدل الأمريكية أن تستخدمها إذا أرادت محاكمة ترامب بتهم التحريض على الفتنة، وتقويض المؤسسات الأمريكية الدستورية والديمقراطية.

ومع عقد لجنة 6 يناير آخر جلساتها العلنية هذا الصيف، التي ركزت على تصرفات ترامب أثناء أعمال الشغب في مبنى الكابيتول، أثيرت تساؤلات حول مدى إمكانية نجاح جهود الديمقراطيين في تحويل نتائج التحقيقات إلى قضية جنائية، خاصةً أن مثل هذه المُحاكمة ستكون هي الأولى من نوعها، كما أنها تحمل شبهات سياسية، خاصةً مع تصاعد مخاوف الديمقراطيين من فوز ترامب بترشيح الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية لعام 2024، فضلاً عن تراجع شعبية الرئيس الأمريكي جو بايدن، إلى مستويات قياسية، وأزمة ارتفاع أسعار البنزين، وغير ذلك من الأمور التي يحاول ترامب جاهداً استغلالها لصالحه.

اتهامات متبادلة

يواجه ترامب اتهاماً رئيسياً بأن ادعاءاته بشأن سرقة الانتخابات الرئاسية لعام 2020، ومحاولته إلغاء تصديق الكونجرس على فوز بايدن، قد أسفرت عن الهجوم على مبنى الكابيتول، الذي لم يفعل شيئاً لمنعه، لكنه شاهده بسرور على شاشة التلفاز في البيت الأبيض لما يقرب من ثلاث ساعات قبل أن يدلي ببيان يأمرهم فيه بالعودة إلى ديارهم، على الرغم من مناشدات مساعديه وحلفائه وحتى عائلته وقف عمليات اقتحام مبنى الكونجرس، وهو الأمر الذي أدى إلى جعل الولايات المتحدة تواجه أسئلة حول ديمقراطيتها. ويتمثل أبرز ما توصلت إليه لجنة 6 يناير من اتهامات للرئيس السابق فيما يأتي:

1– تأكيد عدم دستورية “هجوم الكونجرس”: وصفت اللجنة الهجوم على مبنى الكونجرس بأنها خطة غير قانونية وغير دستورية لعرقلة نقل السلطة بطريقة سلمية. واستشهدت اللجنة في ذلك بتهم التآمر والتحريض التي وجهت إلى بعض المهاجمين. ويبدو أن هدف اللجنة هو محاولة توفير أدلة لإدانة ترامب، بصورة تسمح للمدعي العام (وزير العدل) ميريك جارلاند، لتحقيق هدفها الأساسي، وهو محاكمة ترامب، ولا سيما أن غالبية الأمريكيين (79%) وفقاً لاستطلاع رأي أجرته شبكة “سي إن إن”، في الفترة من 22 يوليو إلى 24 يوليو، يرون أن ترامب تصرف بأسلوب غير قانوني في محاولة الاحتفاظ بمنصبه بعد انتخابات 2020، بينما أكد 61% أنه شجع العنف السياسي في تصريحاته العلنية قبل 6 يناير.

2– اعتبار “الهجوم” محاولة انقلاب مخططاً لها: أوضحت اللجنة أن الهجوم كان محاولة انقلاب مخططاً لها ونتيجة مباشرة لجهود الرئيس المهزوم لإلغاء نتيجة انتخابات عام 2020، وهو ما أكده النائب الديمقراطي زوي لوفجرين عضو اللجنة التحقيق، قائلاً: “‏لم يكن هذا مجرد حدث تم الكشف عنه، بل كان مخططاً له‏‏”‏؛ لذلك أعلنت اللجنة أنها ستبحث التنسيق بين مسؤولين مقربين من ترامب والعصابات التي تقودها الجماعات المتطرفة، مثل “برود بويز Proud Boys” لاقتحام مبنى الكابيتول لمنع الكونجرس من إعلان فوز خصمه الديمقراطي جو بايدن بالرئاسة.

3 تحميل ترامب مسؤولية “الهجوم”: تحاول اللجنة سد جميع الثغرات في وجه ترامب؛ فإذا أثبت أنه لم يُخطط للهجوم، فهو يتحمل مسؤولية عدم التحرك لوقفه؛ حيث دعا النائب بيني تومبسون رئيس لجنة الكونجرس للتحقيق في اقتحام مبنى الكابيتول، إلى محاسبة ترامب أمام القانون، معتبراً إياه مسؤولاً عن الأحداث برفضه مغادرة غرفة الطعام بالبيت الأبيض لوقف الاقتحام، كما اتهم رئيس اللجنة ترامب بـ”فتح الطريق أمام الفوضى والفساد بطريقة غير مسؤولة”.

وقد أشار شهود العيان، ومنهم المتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض كايلي ماكيناني، إلى أن ترامب كان يشاهد التليفزيون في غرفة الطعام بالبيت الأبيض لحظة اقتحام الكابيتول. وبدوره، قال العضو في لجنة التحقيق النائب الجمهوري آدم كينزينجر: “إن ترامب اختار عدم اتخاذ أي خطوات لمنع أنصاره من اقتحام مقر الكونجرس”، وهو ما أكدته النائبة الجمهورية ليز تشيني – وهي نائبة رئيس لجنة التحقيق – حيث اتهمت ترامب بـأنه “رفض لساعات التدخل لوقف” هذا الاعتداء. كذلك يُحمل 77% من الأمريكيين ترامب المسؤولية عن أعمال الشغب في مبنى الكابيتول؛ لأنه كان بإمكانه فعل المزيد لوقف الهجوم بمجرد أن يبدأ، وفقاً لاستطلاع شبكة “سي إن إن” السابق الإشارة إليه.

4– اتهام ترامب بإعاقة التصديق على فوز بايدن: كشفت اللجنة أن الهجوم الذي تسبب في وقوع وفيات، تعود شرارته إلى رفض ترامب الاعتراف بنتائج الانتخابات الرئاسية التي خسر فيها، وأطلق مزاعم “كاذبة” عن تزوير تلك الانتخابات، وأعلن فوزه في حينها. وأمضى ترامب الأسابيع الثمانية التي تلت الانتخابات في “محاولة غير مسبوقة” لقلب نتائجها، واستدعى مؤيديه إلى واشنطن في السادس من يناير “لإنهاء المهمة” باقتحام مبنى الكونجرس.

وقد كشفت إحدى جلسات الاستماع عن ممارسة ترامب ضغوطاً غير قانونية على نائبه مايك بنس، لإلغاء نتائج الانتخابات؛ حيث حاول منعه من الذهاب إلى الكونجرس للمصادقة على نتائج الانتخابات الرئاسية باعتباره رئيس مجلس الشيوخ في الوقت ذاته. ويحظى هذا الاتهام بتأييد جماهيري؛ حيث ذكر 45% أن ترامب ضلل الجمهور بشأن نتائج الانتخابات قبل أعمال الشغب، ووافق 15% من الجمهوريين على أن ترامب ضلل الجمهور بشأن انتخابات 2020؛ وذلك وفقاً لاستطلاع للرأي أجراه بوليتيكو ومورنينج كونسلت شمل 2005 أمريكيين في الفترة من 8 إلى 10 يوليو الجاري.

وفي المقابل، كثيراً ما ينتقد ترامب اللجنة والتحقيقات، مؤكداً أنها تحاول استهدافه ومنعه من الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2024، واصفاً إياها بأنها “عملية احتيال كاملة” و”خدعة”، كما أكد أن مثل هذه الجلسات “مجرد محاولة لمنع رجل يتقدم بفارق كبير في جميع استطلاعات الرأي على كل من الجمهوريين والديمقراطيين من الترشح للرئاسة مرة أخرى”. كذلك يحرص ترامب في أي حشد جماهيري على نفي شهادات مساعديه التي أدلوا بها في الكونجرس.

مستقبل غامض

لا شك أن مستقبل ترامب السياسي، واحتمالية ترشحه في الانتخابات الرئاسية لعام 2024 تتسمان بالغموض الشديد؛ وذلك بسبب عدد من العوامل من أبرزها ما يأتي:

1– توجُه ترامب إلى استغلال خلل الديمقراطيين: يحاول ترامب تعزيز شعبيته باستغلال ما يعانيه المجتمع الأمريكي من تحديات كثيرة على الصعيدين المحلي والدولي؛ من ارتفاع تاريخي لمعدلات التضخم، وفوضى غير مسبوقة لعنف السلاح، وانتخابات تجديد نصفي للكونجرس. وعلى الصعيد الخارجي هناك عدد من المؤشرات يعتبرها البعض انتكاسة للنفوذ الأمريكي العالمي، مثل هشاشة الموقف الأمريكي في إدارة الحرب الروسية على أوكرانيا، والفشل في عودة إيران إلى الاتفاق النووي، وكذلك فشل قمة الأمريكيتين بمقاطعة المكسيك وعدد من الدول لحضور القمة، فضلاً عن رفض البرازيل الامتثال لأي عقوبات أمريكية ضد روسيا.

فقد أظهر استطلاع أجرته كلية “إيمرسون”، شمل 1078 ناخباً مسجلاً في الفترة من 19 إلى 20 يوليو، أن ترامب يتفوق على منافسيه المحتملين في منافسات افتراضية لعام 2024؛ حيث سيدعم 46% من الناخبين الرئيس السابق، مقابل 43% سيدعمون بايدن إذا كانا هما المرشحين في الانتخابات الرئاسية القادمة. وتكشف تلك النتائج أن الرئيس السابق سيكون قوة سياسية قابلة للحياة إذا اختار أن يرشح نفسه مرة أخرى للبيت الأبيض،وهو ما تأكد خلال احتفال ترامب بعودته إلى واشنطن لأول مرة منذ مغادرته البيت الأبيض؛ حيث قال: “أنا هنا لبدء الحديث عما يجب علينا فعله لتحقيق ذلك المستقبل عندما نفوز بانتصار في عام 2022، وعندما يستعيد رئيس جمهوري البيت الأبيض في عام 2024، وهو ما أعتقد بشدة أنه سيحدث”.

2– صعوبة فوز ترامب على مرشح ديمقراطي خلاف بايدن: ذكرت العديد من التقارير الصحفية أن غموض هوية مرشح الحزب الديمقراطي من العوامل المُحيرة لقدرة ترامب على حسم المنافسة؛ إذ تشير التوقعات إلى قدرة ترامب على حسم السباق الرئاسي لصالحه فقط في حال مواجهة بايدن. أما إذا اختار الحزب الديمقراطي مرشحاً آخر يتمتع بشعبية وتوجهات غير مثيرة للانقسامات، فإن ترامب سيواجه صعوبة في حسم السباق، وهو ما ظهر في مباراة افتراضية ضد مرشح ديمقراطي محتمل آخر؛ حيث تقدم السيناتور بيرني ساندرز على ترامب بنسبة 45% مقابل 40%. وجاء حاكم ولاية فلوريدا رون ديسانتيس، في المرتبة الثالثة بنسبة تأييد تبلغ 21%، وفقاً لاستطلاع كلية “إيمرسون”.

3– ميل المزاج الجمهوري بالتدريج نحو الاعتدال: تشير التحركات الجمهورية إلى أن هناك توجهاً جمهورياً نحو الاعتدال، خاصةًمع إلقاء مسؤولية خسارة انتخابات عام 2020 على راديكالية ترامب؛ لذلك من المتوقع اللجوء خلال الفترة المقبلة إلى اختيار مرشح معتدل يؤمن بقيم الحزب المحافظة والتقليدية، ويستطيع إنهاء حالة الاستقطاب المتجذرة داخل المجتمع الأمريكي. ومن هنا تتزايد فرص ترشيح مايك بنس نائب ترامب، مرشحاً محتملاً للحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية القادمة، وهو ما رصدته وكالة “أسوشيتيد برس” مع بحث كليهما إمكانية الترشح في سباق البيت الأبيض لعام 2024. وذكرت الوكالة أن بنس أصبح أكثر وضوحاً بقدر متزايد في استعداده لمواجهة ترامب.

ويضاف إلى ما سبق أن علانية جلسات الاستماع واهتمام الرأي العام بمتابعتها قد تضع مستقبل الجمهوريين على المحك؛ حيث أظهرت شهادات مساعدي ترامب انقساماً جمهورياً، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى تكرار خسارة البيت الأبيض ومن قبله الكونجرس، وهو ما لن يخاطر به الحزب الجمهوري، خاصةً في ظل التقدم النسبي لمرشحي الحزب الجمهوري في الانتخابات التمهيدية لانتخابات التجديد النصفي للكونجرس.

4– انقسام الرأي العام الأمريكي بشأن محاكمة ترامب: أظهر استطلاع لـWDIV / Detroit News، أجري على عينة من 600 ناخب في الفترة من 5 إلى 8 يوليو 2022 عبر الهاتف الأرضي، أن 45% يؤيدون توجيه الاتهام الجنائي لترامب، بينما يعارض ذلك 39% من أفراد تلك العينة.

هاجس الحرب الأهلية

إجمالاً لما سبق، فإنه وفقاً لمعطيات السياق السياسي الأمريكي الحالي، يمكن القول بأن فرص توجيه الاتهام الجنائي إلى ترامب قليلة إلى حد ما، وكذلك فرص عودته إلى البيت الأبيض؛ وذلك بسبب تشابك عدد من السباقات السياسية، سواء بين الجمهوريين والديمقراطيين من ناحية، أو بين التيارات الجمهورية نفسها من ناحية أخرى؛ وذلك في الوقت الذي يسعى  فيه الديمقراطيون إلى صرف انتباه الناخب الأمريكي عن خلل أدائهم وتدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع مستويات التضخم إلى معدلات قياسية وانتكاسة النفوذ الأمريكي العالمي، بتوجيههم إلى قضية مُحاكمة ترامب، واستخدام علانية جلسات استماع الكونجرس لإقناع الرأي العام الأمريكي بضرورة إبعاد ترامب عن المشهد السياسي برمته.

في المقابل، فإنه على الرغم من الانقسام الداخلي بين الجمهوريين أنفسهم حول هوية المرشح الجمهوري لانتخابات 2024، وهو ما يقلل من فرص عودة ترامب للبيت الأبيض، فإن تركيز الديمقراطيين على تحويل تحقيقات لجنة 6 يناير إلى قضية جنائية، قد يدفع بعض قطاعات الرأي العام الأمريكي، خاصة من الجمهوريين، إلى التعاطف مع ترامب، وينظر إلى اللجنة باعتبارها خطة ديمقراطية لتشويه صورة الجمهوريين بوجه عام؛ لذلك قد يتحد ترامب والجمهوريون في انتقاد أعمال لجنة 6 يناير، والترويج بأن الهدف من وراء تكوينها وعملها هو تشويه سمعة ترامب والتأثير على فرص الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل، خاصةً مع تزايد التوقعات بخسارة الديمقراطيين لها.

في الوقت نفسه يغازل ترامب أعضاء الحزب الجمهوري بدعمه وحضوره القوي لمرشحي الحزب في الانتخابات التمهيدية لانتخابات نوفمبر المقبل في محاولة منه لكسب دعم الأغلبية الجمهورية. فضلاً عن تأكيده أنه لو كان رئيساً للولايات المتحدة لكان مسار الحرب في أوكرانيا  مغايراً ، مشيراً إلى أنه “إذا أعيد انتخابي، فلن أسمح بهذا الصراع في أوكرانيا”؛ وذلك على الرغم من إبداء 55% من الناخبين الجمهوريين رغبتهم في عدم ترشح ترامب عن حزبهم في عام 2024، وفقاً لاستطلاع شبكة “سي إن إن”. ونتيجة لذلك، فإن الأمر الوحيد الذي يمكن تأكيده حتى الآن هو أن المشهد السياسي الأمريكي سيشهد معركة سياسية شرسة بين الديمقراطيين والجمهوريين يخشى الناخبون من تحولها إلى حرب أهلية، خاصةً مع تزايد معدلات حوادث إطلاق النار في الشوارع الأمريكية؛ حيث كشف باحثون من برنامج أبحاث منع العنف بجامعة كاليفورنيا – ديفيس، أن 50% من الأمريكيين يرون أن حرباً أهلية ستندلع قريباً، مقابل 48% لا يؤمنون بذلك.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%83%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a7%d8%a8%d9%8a%d8%aa%d9%88%d9%84/