معضلة الاحتواء:

ماذا تعني أفغانستان تحت حكم طالبان بالنسبة إلى الهند؟
معضلة الاحتواء:
2 سبتمبر، 2021

تمكنت حركة طالبان ذات المرجعية الأصولية الدينية، من ملء فراغ السلطة الذي خلفه الانسحاب الأمريكي، من بلد مزقته سنوات طويلة من حالة عدم الاستقرار والتناحر الداخلي، ناهيك عن التدخلات الخارجية. ولقد حكمت الحركة البلاد في الفترة من 1996 إلى 2001، وتم إعلان أفغانستان خلافة إسلامية في ذلك الوقت. ولم يختلف نهج الحركة كثيراً في عام 2021؛ حيث تم إعلان الخلافة أيضاً. وخلافاً لما قامت به الحركة سابقاً، أكدت طالبان احترامها حقوق النساء والأقليات في أكثر من مناسبة، إلا أن مواقع التواصل الاجتماعي قد ضجَّت بتقارير تشير إلى إقدام مقاتلي الحركة على عدد من التجاوزات والأفعال المَشينة.

وأكدت صور تزاحم الأفغان في مطار كابول، حجم اليأس والخوف المهيمن على الأفراد هناك، بالإضافة إلى الرغبة الجارفة في الهروب من حكم طالبان. ولا تزال بنجشير آخر ولاية لا تخضع لسيطرة طالبان في أفغانستان؛ حيث تنشط قوات المعارضة تحت قيادة “أحمد مسعود” نجل القائد بحركة المجاهدين الراحل ورائد التحالف الشمالي “أحمد شاه مسعود”.

وعلى ما يبدو، فإن نائب الرئيس السابق “أمر الله صالح”، الذي لا يزال يؤكد كونه الرئيس الشرعي للبلاد وفقاً لأحكام الدستور؛ قد انضم إلى جبهة التحالف الوطنية التي يقودها “أحمد مسعود” لمقاومة حكم طالبان، بيد أن المقاومة ما تزال في مراحلها الأولى، في ظل استمرار هيمنة الغموض والترقُّب على التطورات في أرض الواقع، ودعم باكستان الكبير لحركة طالبان.

وقد تباينت ردود الفعل الدولية تجاه استيلاء طالبان على السلطة في كابول؛ فبينما شعرت الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية بالقلق البالغ إزاء سير عمليات إجلاء رعاياها، فضلاً عن المواطنين الأفغان الساعين للجوء في الخارج؛ فإن هناك قلقًا عامًّا أيضاً من موجات الهجرة المتزايدة من أفغانستان، خاصةً مع عدم استقرار الأوضاع داخل البلاد. وتخشى بلدان المنطقة، بما فيها إيران وتركيا وجمهوريات آسيا الوسطى، من احتمال تدفق المزيد من المهاجرين الأفغان، لا سيما في وقت تسير فيه اقتصادات هذه الدول على طريق الانتعاش، بعد الأثر المدمر للجائحة.

وحتى الآن، لم يُبْدِ سوى عدد قليل من البلدان –وهي باكستان وروسيا والصين وقطر– ردود فعل إيجابية تجاه استيلاء طالبان على السلطة، بل شرعت بعض هذه العواصم بالفعل في التعامل مع قيادات الحركة. ومن ناحية أخرى، فضَّلت بلدان إقليمية أخرى، مثل إيران وتركيا والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، التعاطي مع الأمر بنوع من التحفظ، وحثَّت طالبان على احترام حقوق جميع المواطنين، وتجنُّب إراقة الدماء. ورأت هذه البلدان أيضاً أن البيانات المبكرة الصادرة عن الحركة مطمئنة بصورة أو بأخرى.

الهند بدورها قد أعربت عن قلقها البالغ إزاء سلامة وأمن رعاياها في أفغانستان، بمن فيهم الموظفون الدبلوماسيون والمهنيون العاملون في مختلف المشاريع الإنمائية وقطاعات الاقتصاد الأفغاني. وتشعر الهند بالخوف أيضاً على مصير الأقليات الدينية من الهندوس والسيخ في أفغانستان، الذين تعود جذورهم إلى الهند، وتربطهم صلات ثقافية ودينية كبيرة بالبلاد.

ولذا، فضَّلت نيودلهي في البداية، تبني موقف محايد إلى حد ما، مع التركيز على إنقاذ وإعادة الموظفين الدبلوماسيين والرعايا الهنود العاملين هناك، وعلى توفير الملاذ الآمن للأقليات الدينية. وتقوم الهند في الوقت الحالي بمتابعة ومراقبة التطورات الأفغانية عن كثب، مع عدم الإدلاء بأي بيانات قد تُعرِّض سلامة وأمن رعاياها في أفغانستان والمتعاونين الأفغان للخطر.

ونظراً إلى الوضع الأمني المضطرب، تم وقف عمل السفارة الهندية في كابول، وأعيد الموظفون الدبلوماسيون، بمن فيهم سفير البلاد، إلى الهند. وفي الوقت نفسه، نشرت الهند عدداً قليلاً من قواتها الأمنية في مطار كابول الدولي للتنسيق مع قوات الأمن التابعة للولايات المتحدة، التي تقوم على إدارة الوضع في المطار حالياً؛ لتيسير سفر المواطنين الهنود إلى وطنهم، وتوجه الأفغان الذين يلتمسون اللجوء إلى الهند.

كما عكفت وزارة الخارجية الهندية على إصدار “توجيهات دورية بشأن السفر والحفاظ على أمن جميع المواطنين الهنود في أفغانستان، نظراً إلى تدهور الوضع الأمني هناك”. وبالنسبة إلى المواطنين الأفغان، أطلقت الهند بوابة طارئة لإصدار التأشيرات الإلكترونية لتيسير السفر للراغبين في اللجوء إلى الهند.

ومن المؤكد أن الوضع الحالي يمثل مصدر قلق كبير للهند، التي استثمرت بكثافة في عملية بناء الدولة الأفغانية، عبر تنفيذ مشاريع البنية الأساسية وتقديم المساعدات الإنمائية للحكومة الأفغانية. وقد التزمت الهند بما يزيد عن مليار دولار أمريكي، في شكل معونة إنمائية ومساعدات اقتصادية لأفغانستان على مدار السنوات الماضية. ووفقاً لبيانات وزارة الخارجة الهندية، فقد أعطت نيودلهي الأولوية لـ116 مشروعاً من مشاريع التنمية المجتمعية العالية الأثر، التي نفذت في 31 مقاطعة بأفغانستان، بما في ذلك في مجالات التعليم، والصحة، والزراعة، والري، ومياه الشرب، والطاقة المتجددة، ومكافحة الفيضانات، وتوليد الطاقة الكهرومائية، والبنية التحتية الرياضية والإدارية”.

ومن المشاريع الأخرى التي قامت بها الهند في أفغانستان تمويل منح لـ”مدرسة حبيبة”، وتدشين “معهد أنديرا غاندي لصحة الطفل” في كابول، بالإضافة إلى تمويل مشروع “سد شتوت”، وتوفير قطع الغيار اللازمة لتجديد حافلات النقل القديمة، وإعادة تأهيل طريق يبلغ طوله ما بين 9 كيلومترات و16 كيلومترًا يربط بين باميان وياكاولانغ، وبناء منازل لأربعة ألاف لاجئ أفغاني عائد من الخارج، ناهيك عن إنشاء جامعة أفغانية وطنية للعلوم الزراعية والتكنولوجيا (ANASTU) في قندهار. ومن المؤسف حقاً، أن هذه البنى الأساسية ومشاريع التنمية ستعاني كثيراً بفعل التطورات الجارية حاليا في البلاد.

وتشهد الهند في الوقت الحالي نوعاً من الانقسام الداخلي حول الآلية المُثلى للتفاعل مع التطورات في كابول؛ فبينما يؤمن البعض بضرورة توخي الحذر وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع الإدارة الجديدة في أفغانستان، يتوقع البعض الآخر أن يعود الوضع إلا ما كان عليه خلال حكم طالبان للبلاد عام 1996، وهو ما سيمثل تهديداً كبيرًا للأمن القومي الهندي. وقد دأبت نيودلهي على إشراك مختلف أصحاب المصالح الدوليين والإقليميين لتقييم الوضع المتطور، وأفادت التقارير بأن الهند قد شاركت في محادثات مع قيادات طالبان في الدوحة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الهند قد دأبت على إجراء محادثات مع بلدان مثل إيران وقطر، فضلاً عن بلدان أخرى ذات نفوذ وتماثل في الفكر، لتقييم الحالة المتطورة.

وعلى الرغم من عدم حسم نيودلهي موقفها بعد الأحداث في كابول، فإن الهند تدرك جيداً الآثار الجيوسياسية والجغرافية والاقتصادية المترتبة على استيلاء طالبان على أفغانستان، وستتخذ كل التدابير اللازمة لتأمين مصالحها. وعلى المديين القصير والمتوسط، سينصب التركيز على سلامة الأقليات القومية والأفغانية الهندية، وتحييد أي تهديدات إرهابية قد تنشأ بعد استيلاء طالبان على السلطة، بالإضافة إلى استمرار تنفيذ مشاريعها في مجال الربط والبنى التحتية، بجانب تأمين استثماراتها المختلفة في أنحاء أفغانستان. وعلى المدى المتوسط إلى البعيد، من المرجح أن تنتظر نيودلهي المزيد من الوضوح قبل اتخاذ خطواتها التالية.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%85%d8%b9%d8%b6%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%aa%d9%88%d8%a7%d8%a1/