معضلة الاعتراف:

لماذا تفاقمت الأزمة الاقتصادية في "أفغانستان طالبان"؟
معضلة الاعتراف:
14 أبريل، 2022

منذ استيلاء طالبان على السلطة في أغسطس الماضي، عانت أفغانستان من أزمة اقتصادية حادة، مدفوعة بقَطع مساعدات التنمية، وتوقيع العقوبات الدولية ضد نظام طالبان، وتجميد احتياطيات النقد الأجنبي الأفغاني. وقد جاءت هذه السياسات في ضوء سعي المانحين الدوليين إلى عزل طالبان عن النظام الدولي، فكان لذلك بالغ الأثر؛ حيث تم زجُّ أفغانستان إلى حافَّة المجاعة، وعُزِل اقتصادها عن النظام المالي الدولي والمساعدات الإنسانية.

وفي هذا الإطار، أضحت أفغانستان تواجه أكبر أزمة إنسانية في العالم، وهو ما ولَّد بدوره حاجة ماسَّة إلى تجميع مساعدات إنسانية هائلة تُقدر بنحو 4.47 مليار دولار أمريكي؛ أي أربعة أضعاف احتياجاتها في بداية عام 2021. وخلقت الضغوطات الدولية ضغوطاً داخلية نالت من الشعب الأفغاني، وعمَّقت أزمة الغذاء والفجوة بين الجنسين والحق في عيش حياة سوية، حتى أُطلق على أفغانستان الدولة الأكثر تعاسةً في العالم، وَفق تقرير السعادة العالمي الصادر في مارس الماضي.

أوضاع متردية

تغيَّر الاقتصاد الذي استولت عليه حركة طالبان قبل نحو ثمانية أشهر تغيراً كبيراً عن الاقتصاد الذي كان في عهدتها من عام 1996 حتى نهاية عام 2001؛ فبعدما بلغ الناتج المحلي الإجمالي لأفغانستان، فور انتهاء ولاية طالبان الأولى في عام 2002، نحو 4 مليارات دولار فقط، فإنه بعد مرور نحو عقدين، تضاعف الناتج المحلي الإجمالي خمس مرات تقريباً ليصل إلى 19.8 مليار دولار في عام 2020، وفقاً لآخر إحصائيات صادرة عن البنك الدولي، فيما جُلبت مشاريع البنية التحتية، وتم استقدام التكنولوجيا الحديثة، كالهواتف الذكية، إلى المواطنين الأفغان.

ورغم ذلك النمو المُوسَّع في الاقتصاد، الذي يبدو ظاهرياً كأنه تطور إيجابي لصالح الاقتصاد الأفغاني، فإن ذلك النمو في واقع الأمر جاء مدفوعاً بالأساس بالمساعدات الخارجية التي كان الاقتصاد الأفغاني يعتمد عليها بنحو 75%، لكن بعد سيطرة طالبان على السلطة، تضرر الاقتصاد الأفغاني بفعل قطع تلك المساعدات. ويمكن استعراض أبرز المؤشرات الدالة على تردي أوضاع الاقتصاد الأفغاني، وذلك على النحو التالي:

1– افتقار البنوك إلى النقد المادي: لم تَعُد البنوك الأفغانية قادرة على تغطية عمليات السحب من قِبل المُودِعين، حتى عندما يتم تحويل الأموال إلكترونياً إلى البنوك لدفع تكاليف العمليات الإنسانية، أو منح الأجور، أو إجراء التحويلات. ذلك الأمر عادةً ما يحدث عندما تفقد البنوك الخاصة القدرة الكافية على تغطية عمليات السحب من خلال العملة المحلية، وفي الوقت ذاته يكون لديها القليل من الدولارات نقداً، أو لا تملك عملة أجنبية على الإطلاق، ولا تمتلك أصولاً كبيرةً مُودَعةً، فتصبح غير قادرة على تقديم الائتمان.

2– انخفاض القوة الشرائية: أدى الارتفاع الهائل في الأسعار الناجم عن الأزمة الاقتصادية، إلى انخفاض القدرة الشرائية عند العديد من الأسر غير القادرة على تحمل تكاليف الغذاء، حتى سادت في أفغانستان حالة من سوء التغذية الحادة في جميع أنحائها. ووفق بيانات صادرة عن الأمم المتحدة، فإن هناك 23 مليون شخص – بما يعادل نحو 95% من الأفغان – يعانون الجوع في الوقت الحالي، وهو ما دفع المنظمات الإنسانية إلى إصدار تحذيرات متكررة حول الحجم الهائل للأزمة الاقتصادية وتبعاتها الإنسانية ومدى تفاقمها. فيما خلصت دراسة استقصائية أجرتها منظمة “Save the Children” في فبراير 2022، إلى أن نحو 82% من العائلات الأفغانية فقدت رواتبها منذ أغسطس 2021، وأن ​​واحداً من كل خمس أسر يرسلون أطفالهم للعمل مقابل أجور زهيدة، فيما يلجأ 7.5% إلى التسول.

3– تراجع قيمة العملة الوطنية: إن عواقب أزمة السيولة بعيدة المدى، وعدم القدرة على الوصول إلى العملة الصعبة، أدى إلى انخفاض حاد في قيمة العملة الأفغانية بنسبة 30% منذ استيلاء طالبان على الحكم. وتوازى مع ذلك، حدوث ارتفاع في الأسعار بنحو جارف، وهو ما سبب ارتفاعاً في معدلات التضخم ونسب البطالة، وفق ما صرَّحت به الأمم المتحدة خلال دعوتها إلى جمع خمسة مليارات دولار لتمويل مساعداتها في أفغانستان في 11 يناير الماضي.

4– ارتفاع حاد في أسعار الغذاء: حدث ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية والسلع، على نطاق أوسع، على خلفية انخفاض قيمة العملة الأفغانية ونقص النقد الأجنبي، الذي جعل التجار الأفغان غير قادرين على دفع ثمن الغذاء والوقود وواردات المدخلات الوسيطة التي تعتمد عليها البلاد، علاوة على ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً؛ الأمر الذي أسفر عن تراجع النشاط الاقتصادي في الدولة. 

 عوامل متشابكة

وقد ساهمت جملة من العوامل الداخلية والخارجية في حالة الانهيار التي يشهدها الاقتصاد الأفغاني. ويمكن استعراض هذه العوامل عبر ما يلي:

1– التراجع الفجائي في حجم المساعدات الخارجية: يعيش اقتصاد أفغانستان في حالة سقوط حر منذ انسحاب الولايات المتحدة من البلاد؛ فبعد أن كان يعتمد على نحو 75% من المساعدات الخارجية لتلبية احتياجاته، فإنه فور سيطرة طالبان على كابول، أصدرت الحكومات المانحة، بقيادة الولايات المتحدة، تعليمات للبنك الدولي بقطع نحو ملياري دولار من المساعدات الدولية الخارجية التي كان البنك يوزعها سابقاً من خلال الصندوق الائتماني لإعادة إعمار أفغانستان. وبمجرد انقطاع تلك المساعدات عن التدفق، تم تعليق دعم المرتبات الأساسية للملايين من المعلمين والعاملين في مجال الصحة، وإيقاف آليات الأمن الغذائي التي كانت تُفعَّل على نطاق واسع للتخفيف من حدة الفقر.

2– سحب أوراق اعتماد البنك المركزي الأفغاني: لم يتوقف الأمر عند قطع المساعدات، بل عمدت الولايات المتحدة والحكومات الأخرى ومجموعة البنك الدولي كذلك إلى إلغاء أوراق اعتماد البنك المركزي الأفغاني؛ لإعاقة قدرته على التعامل مع النظام المصرفي الدولي والمؤسسات المالية الدولية، بما في ذلك البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وبنك التنمية الآسيوي، وغيرها.

تزامناً مع ذلك، استقال معظم قيادات البنك المركزي الأفغاني وهربوا من أفغانستان، وبعد نحو أسبوع من سيطرة طالبان على كابول، عيَّنت الحركة وزيراً جديداً للمالية ورئيساً للبنك المركزي، غير أنه لم يتم اعتماد أي منهما من قبل الحكومات الأخرى باعتبارهما ممثلَين مفوضَين للبنك المركزي لأغراض المشاركة في المعاملات الدولية أو الوصول إلى الحسابات. وذلك الأمر حرم البنك المركزي الأفغاني من تلقي أي أصول أو مِنح أو مساعدات من البنك الدولي، كما جعله غير قادر على تحويل الأموال، نظراً إلى افتقاره إلى القدرة على الوصول إلى النظام المصرفي الدولي.

3– تقييد معاملات الحسابات المصرفية الأفغانية: دفعت عقوبات الأمم المتحدة على طالبان، العديد من البنوك والمؤسسات المالية الأخرى خارج أفغانستان، إلى تقييد أغلب المعاملات المتعلقة بالحسابات المصرفية الأفغانية، بيد أنه في فبراير الماضي، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية العديد من التراخيص والوثائق التوجيهية التي تسمح للبنوك والكيانات الأخرى الخاضعة لقانون الولايات المتحدة بالمشاركة في مجموعة من الأنشطة والمعاملات الإنسانية مع الكيانات الحكومية الأفغانية الضرورية أو العرضية للعمليات الإنسانية أو الأنشطة التجارية المشروعة كالتحويلات، فيما أصدرت المملكة المتحدة والعديد من حكومات الاتحاد الأوروبي تراخيص ووثائق توجيهية مماثلة؛ كي يُسمح من الناحية الفنية بالمعاملات مع البنك المركزي الأفغاني.

4– مصادرة جميع الاحتياطات المالية الأفغانية: اتخذت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، في 11 فبراير الماضي، مجموعة معقدة من الخطوات التي تؤثر على الاحتياطيات الأفغانية، وأصدرت أمراً تنفيذياً يقضي رسمياً بمصادرة جميع احتياطيات أفغانستان البالغة 7 مليارات دولار في الولايات المتحدة ونقلها إلى حساب واحد في الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. فيما أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية على الفور ترخيصاً يأمر الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك بتحويل 3.5 مليار دولار من تلك الأصول إلى حساب منفصل باسم البنك المركزي الأفغاني، ثم سُمح بتحويل تلك الأموال فيما بعد إلى أي حساب أو كيان أو هيئة تستخدمها “لصالح الشعب الأفغاني ولمستقبل أفغانستان، بما في ذلك الصناديق الائتمانية للبنك الدولي.

5– عجز طالبان عن إدارة الأزمات الاقتصادية: أدى استيلاء طالبان المفاجئ على المؤسسات العامة إلى أزمة حكم وطنية في أفغانستان؛ ما دفع العديد من موظفي الخدمة المدنية الأكثر خبرة في الدولة وغيرهم من المهنيين المَهَرة إلى النزوح إلى بلدان أخرى، في حين استعاضت عنهم طالبان برجال دين ومقاتلين سابقين، ليس لديهم خبرة سابقة في الخدمة العامة، ولا توجد لديهم مهارات فنية؛ ما قلل قدرة حكومة طالبان على إدارة الأزمة؛ ففي كل مرة كان الاقتصاد الأفغاني يُوضع في اختبار حقيقي، كانت إدارة طالبان تتصرف على نحو غير مؤثر.

وعلى سبيل المثال، حين اقترحت طالبان في 12 يناير الماضي إنشاء هيئة للإشراف على صرف المساعدات ينضم فيها ممثلوها إلى ممثلي المانحين الأجانب، رفض المجتمع الدولي إعطاء طالبان مثل هذا الدور؛ ما دفع طالبان إلى التحايل على الموقف، واستخدمت القمح الممنوح من الخارج لدفع رواتب العمال المدنيين بأسلوب مباشر وعيني. ومع حظر طالبان زراعة الأفيون التي تعتمد عليه بدرجة كبيرة في اقتصادها، فقد تسوء قدرة طالبان على إدارة الملف الاقتصادي على نحو أكبر بكثير مما هو عليه في الوقت الحالي.

6– التداعيات السلبية للحرب الحالية بأوكرانيا: حذر متحدث باسم برنامج الأغذية العالمي في 18 مارس الماضي، من التأثير المضاعف للحرب الروسية في أوكرانيا على أسعار الغذاء والوقود في أفغانستان، التي من المتوقع أن تشهد ارتفاعاً أكبر، في ظل عدم امتلاك الناس فعلياً المال لشراء الطعام. وبحسب المتحدث باسم برنامج الأغذية العالمي، فإن 80% من الأفغان مدينون؛ لأنهم اضطروا إلى الاقتراض لدفع ثمن الغذاء أو الأدوية. كما أنه وفقاً لتحليل أجرته منظمة إنقاذ الطفولة، فإن هناك نحو 121 ألف طفل في أفغانستان باتوا مكبلين بديون منذ أغسطس 2021، ومن المتوقع أن تزيد الحرب الروسية على أوكرانيا عمق أزمة الغذاء في أفغانستان، ما لم توجد حلول جذرية لرأب الصدع في اقتصادها.

حلول هشة

إجمالاً، رغم دعوة البنك الدولي إلى إطلاق مئات الملايين من الدولارات الإضافية؛ للمساعدة في دعم قطاعَي التعليم والصحة في أفغانستان، فإن ذلك يبدو حلاًّ غير فعال، خاصةً في ظل الضغوطات التي تتعرض لها البنوك الحالية في الدولة؛ فمن دون نظام مالي فعال، سيظل العديد من الأفغان غير قادرين على شراء السلع الأساسية، بما في ذلك الغذاء والدواء؛ لذا تستدعي الحاجة إلى بنك مركزي معترف به أو بنك خاص، يُتاح له إمكانية الوصول إلى الأصول، كي يكون قادراً على التعامل مع مبالغ مالية بهذا المستوى، وأخيراً السماح للبنك المركزي الأفغاني بإجراء المعاملات باستخدام النظام المصرفي الدولي.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%85%d8%b9%d8%b6%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b9%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%81-2/