معضلة الاعتراف:

صعوبات تأسيس طالبان علاقات طبيعية مع الخارج
معضلة الاعتراف:
14 سبتمبر، 2021

فور الإعلان عن سقوط العاصمة كابول في يد حركة طالبان، في 15 أغسطس الماضي، ثم نجاح الحركة في السيطرة على معظم أقاليم الدولة، بما فيها إقليم بانجشير الذي تراجعت فيه قوة المقاومة بزعامة “أحمد مسعود”؛ بدأت العديد من القوى الدولية والإقليمية المعنية بالأزمة الأفغانية في الانخراط في تفاهمات وفتح قنوات تواصل مع الحركة، لهدف أساسي يتمثل في حماية مصالحها في أفغانستان، سواء ما يتعلق بضمان أمن موظفيها وبعثاتها الدبلوماسية، أو ما يتصل بتأمين عمليات الإجلاء لمواطنيها المقيمين في أفغانستان.

ومع ذلك، فإن تلك القوى حرصت -في الوقت نفسه- على توجيه رسالتين أساسيتين: الأولى، أن مسألة الاعتراف بسلطة طالبان كأمر واقع وقوة حاكمة جديدة في أفغانستان سابقة لأوانها. والثانية، أن هناك متطلبات وشروطاً يجب على طالبان تحقيقها من البداية قبل أن تتخذ تلك القوى قرارات في هذا الصدد، لا سيما ما يتصل بالموقف من التنظيمات الإرهابية التي تنشط في أفغانستان، خاصةً تنظيم القاعدة الذي كان سبباً في شن الحرب الأمريكية على أفغانستان وإسقاط نظام حركة طالبان في عام 2001، إلى جانب الموقف من قضايا حقوق الإنسان والحريات العامة والمرأة والمكونات المجتمعية الأخرى الموجودة في أفغانستان.

وفي الواقع، فإن ذلك يشير إلى أن هناك إشكاليات عديدة تواجه حصول طالبان على اعتراف من جانب القوى الدولية والإقليمية، يتمثل أبرزها في:

1- تكرار الأخطاء المرتكبة منذ عقدين من الزمن: اعتبرت العديد من تلك القوى أن الخطوات الأولى التي اتخذتها الحركة بعد سيطرتها على الحكم في أفغانستان لا توحي بأنها سوف تستجيب لمطالبها وشروطها، بما يعني أنها تُمعن في تبني قرارات وارتكاب أخطاء شبيهة بما حدث قبل عشرين عاماً. وبمعنى آخر، فإن تلك القوى كانت تتصور أن إسقاط حكم الحركة بالقوة في عام 2001 وتراجع دورها ونفوذها فيما بعد سوف يدفعها إلى إجراء تغيير في سياساتها وتوجهاتها، إلا أن ذلك لم يحدث على الأرض، في ضوء مؤشرات عديدة، كان من أهمها تعمد الحركة إقصاء القوى الأخرى من الحكم، حيث أعلنت الحركة، في 7 سبتمبر الجاري، تشكيل حكومة مؤقتة كان لافتاً أنها خلت -تقريباً- من القوميات العرقية الأخرى الموجودة في أفغانستان ومن أي عنصر نسائي، حيث سيطر قادة الحركة عليها، لا سيما “الملا محمد حسن أخوند” رئيس الحكومة، و”الملا عبدالغني برادر” الذي تولى منصب نائب رئيس الحكومة، و”سراج الدين حقاني” الذي تولى منصب وزير الداخلية، بما يعني أن الحركة تسعى إلى تكريس الهيمنة على المشهد في أفغانستان رغم كل الضغوط التي تتعرض لها من قبل تلك القوى.

2- اختيار بعض الشخصيات المتطرفة في الحكومة المؤقتة: بدا لافتاً أن الحركة تعمدت ضم بعض الشخصيات المتطرفة في الحكومة المؤقتة التي أعلنتها، بمن فيهم 4 كانوا معتقلين في غوانتانامو وأُطلق سراحهم بمقتضى الصفقة التي توصلت إليها طالبان مع الولايات المتحدة، في 31 مايو 2014، والتي سلمت فيها الحركة إلى واشنطن الرقيب في الجيش الأمريكي “بو بيرغدال”. بل إن الحركة وجهت رسالة تحدٍّ للمجتمع الدولي عندما منحت بعض من يتعرضون لعقوبات دولية مناصب وزارية، مثل “الملا سراج الدين حقاني” وزير الداخلية الذي يُوضع على قائمة المطلوبين لدى جهاز “إف بي آي” الأمريكي. وقد دفع ذلك اتجاهات عديدة داخل الولايات المتحدة إلى توجيه انتقادات قوية لإدارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، على غرار النائب الجمهوري “مايك والتز”، الذي قال، في 8 سبتمبر الجاري، إن “رؤية معتقلين سابقين من غوانتانامو في مناصب وزارية في أفغانستان تمثل صفعة على وجه كل محارب قديم وعوائل كل عسكري قتيل والمتضررين بهجمات 11 سبتمبر”.

3- قلق البعض من تأثيرات ما بعد الاعتراف بحكم طالبان: تُدرك القوى الإقليمية والدولية أن الاعتراف بحكم طالبان سوف يرتب تداعيات أخرى لا تقل أهمية. إذ إن ذلك سوف يستدعي فوراً السماح للحركة بالحصول على الأموال الأفغانية المجمدة في الخارج، والمطالبة بالانخراط في المنظومة الاقتصادية العالمية، وبمقعد أفغانستان في مجلس الأمن، وتعيين ممثلين لها في المنظمات الدولية، وهو ما لا يستطيع المجتمع الدولي تحمله على الأقل في المرحلة الحالية إلى حين استشراف ما سوف تؤول إليه الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية داخل أفغانستان خلال المرحلة القادمة. وبمعنى أدق، إن تلك القوى ترى أنه لا يمكن، على الأقل في المرحلة الحالية، منح طالبان تلك “الجوائز” أو “المكافآت” بدون مقابل، والذي يتمثل هنا في الاستجابة للمطالب التي سبق أن تبنتها تلك القوى، وتتعلق بإشراك المكونات الأخرى في الحكم، وتغيير السياسات المتبعة تجاه قضايا حقوق الإنسان والمرأة، ووقف التعامل مع التنظيمات الإرهابية.

4- حرص البعض على تجنب اتهامات دعم الجماعات الإرهابية: ربما لا يمكن استبعاد أن بعض القوى كانت لديها رغبة في الاعتراف بحكم طالبان؛ إلا أنها فضلت عدم التعجل في اتخاذ خطوات إجرائية في هذا السياق، وهو ما يمكن تفسيره في ضوء حرصها على تجنب الاتهامات المتوقعة التي يمكن أن تتعرض لها بدعم الإرهاب أو بتأسيس علاقات مع تنظيمات إرهابية، على نحو يمكن أن يتسبب في تعرضها لضغوط وعقوبات دولية. وقد بدا الموقف الذي تبنته قطر مثالاً على ذلك. إذ أشارت مساعدة وزير الخارجية القطرية “لولوة الخاطر”، في 8 سبتمبر الجاري، إلى أن “طالبان أظهرت براغماتية وينبغي الحكم على أفعالها لأنها الحاكم الأوحد في أفغانستان اليوم”. وأضافت أن “الاعتراف القطري بحركة طالبان لن يأتي على الفور”، موضحة: “نحن لا نتسرع في الاعتراف، لكننا في الوقت ذاته لا نوقف انخراطنا مع طالبان. نحن نسلك الطريق الوسط”. وكان لافتاً أن تلك التصريحات جاءت بعد يوم من إعلان الحكومة الجديدة، على نحو يُوحي بأن الدوحة ربما لا تتبنى الشروط نفسها التي أعلنتها القوى الدولية للاعتراف بطالبان، وإن كانت تفضل بدورها تأجيل قرار الاعتراف، ليتماهى مع التوجه الدولي في هذا السياق.

وبعبارة أخرى، يمكن القول إن قطر تسعى إلى الاعتراف بطالبان، لما في ذلك من تداعيات يمكن أن تعزز دورها الإقليمي من جديد، في ظل استضافتها للمكتب السياسي للحركة في الفترة الماضية؛ إلا أنها تخشى من أن الإسراع في الاعتراف بطالبان وإضافة شرعية دولية على حكمها يمكن أن يتسبب في تعرضها لضغوط وانتقادات دولية، ومن ثم فإنها تفضل أن يأتي ذلك القرار في خضم موجة اعتراف دولية بحكم الحركة في مرحلة لاحقة.

5- تنامي الضغوط الداخلية في بعض الدول الغربية: كان لافتاً أن وصول الحركة إلى الحكم في أفغانستان أثار جدلاً داخلياً واسعاً في بعض الدول الغربية. وانقسمت توجهات بعض القوى السياسية إلى قسمين: الأول، يدعو إلى الإقرار بسلطة الأمر الواقع، ومن ثم الاعتراف بطالبان، لهدف وحيد يتعلق بأن ذلك سوف يسمح للسلطات باتخاذ إجراءات لترحيل اللاجئين الأفغان إلى بلادهم. ويتبنى هذا التوجه بعض الأحزاب اليمينية الشعبوية في الدول الأوروبية. ووفقاً لبعض التقارير، نادى حزب “البديل من أجل ألمانيا”، في 9 سبتمبر الجاري، الحكومة الألمانية بضرورة الإسراع في الاعتراف بطالبان وفتح السفارة الألمانية في أفغانستان من أجل البدء في ترحيل اللاجئين الأفغان من الأراضي الألمانية.

لكنّ هذا التيار ربما يكون أقل تأثيراً من تيار آخر يحظى بقاعدة شعبية أكبر ونفوذ سياسي أقوى، ويمارس ضغوطاً على السلطات من أجل عدم الاعتراف بطالبان. فقد كان لافتاً أن بعض المشرعين الأمريكيين، مثل السيناتور الجمهوري “ليندسي جراهام” والنائب الجمهوري “مايك والتز”، دعوا، في 27 أغسطس الفائت، إدارة “بايدن” إلى الاعتراف بنائب الرئيس الأفغاني “أمر الله صالح” وقائد المقاومة في بانجشير “أحمد مسعود” كزعيمين لأفغانستان، ووضع طالبان على قائمة التنظيمات الإرهابية. بل إن النائب الجمهوري “توم رايس” طالب الرئيس “بايدن” بالاستقالة بعد أن أشار إلى أن “يديه ملطختان بالدماء”، في إشارة إلى تصاعد حدة الاستياء من إدارة عملية الانسحاب من أفغانستان.

وفي المقابل، لا يمكن استبعاد أن تقدم قوى معينة على اتخاذ خطوة في هذا السياق، مثل الصين أو روسيا أو إيران أو أي قوة مناوئة للولايات المتحدة. إذ إن الاعتبارات التي يمكن أن تؤثر في قرار تلك الدول بالاعتراف بطالبان من عدمه ليست مرتبطة بالشروط السابقة، وإنما مرتبطة برؤيتها لتداعيات ذلك على مصالحها وحساباتها، لا سيما إدارة صراعاتها مع الولايات المتحدة. وبمعنى آخر، فإن الاعتراف بطالبان قد يكون، في لحظة معينة، إحدى الآليات أو أوراق الضغط التي يمكن أن تستخدمها تلك القوى في ممارسة ضغوط مقابلة على واشنطن، في حالة احتدام الخلافات حول أحد الملفات التي تحظى باهتمام مشترك من الجانبين.

لكن في كل الأحوال، يمكن القول إن الاعتراف بسلطة طالبان في أفغانستان يبقى -في الغالب- خطوة مؤجلة أو مشروطة، وإن باستثناءات لا يمكن استبعادها، بسبب غياب المتطلبات أو المتغيرات التي يمكن أن تدفع القوى الدولية والإقليمية إلى اتخاذ خطوات إجرائية في هذا الصدد، بما يعني أن البديل المتاح في الوقت الحالي يتمثل في الوصول إلى تفاهمات وفتح قنوات اتصال مع طالبان دون الاعتراف بحكمها رسمياً، وهو الخيار الذي تتبناه معظم القوى في العالم.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%85%d8%b9%d8%b6%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b9%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%81/