معضلة الثقة:

دلالات الكشف عن المخطط الإيراني لاغتيال مسؤولين أمريكيين سابقين
معضلة الثقة:
16 أغسطس، 2022

للقراءة بصيغة PDFHTML tutorial


اتهمت وزارة العدل الأمريكية في 10 أغسطس 2022 إيران بالتآمر على اغتيال مستشار الأمن القومي للرئيس السابق دونالد ترامب جون بولتون، رداً على مقتل قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في يناير 2020، الذي اغتيل بطائرة بدون طيار في بغداد. وقد أفادت الوزارة بأن شهرام بورصافي المعروف أيضاً باسم مهدي رضائي أحد أعضاء الحرس الثوري الإيراني، والمتهم باستغلال بعض المنشآت التجارية في مختلف الولايات الأمريكية لاجتذاب المزيد من القتلة المأجورين، الذي لا يزال طليقاً، قد عرض 300 ألف دولار على قاتل مأجور في الولايات المتحدة في نوفمبر 2021 مقابل تنفيذ تلك العملية. وأقرَّ بورصافي أيضاً بأن هناك “عملية قتل أخرى مقابل مليون دولار” لشخصية هامة داخل إدارة ترامب. وتم الإعلان كذلك عن أن وزير الخارجية السابق مايك بومبيو كان الهدف الثاني لإيران.

ومن الجدير بالذكر أن بولتون لم يكن مستشاراً للأمن القومي عند اغتيال سليماني، لكنه كان من المناهضين للاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، فضلاً عن كونه من أشد المؤيدين لتنفيذ هجمات عسكرية ضد إيران. ولم تسعَ إدارة ترامب إلى تأمينه منذ إقالته في سبتمبر 2019، على عكس إدارة بايدن التي حرصت على تأمينه.

دلالات الاغتيال

تحمل تلك العملية في طياتها العديد من الدلالات، سواء على المستوى الإيراني أو الأمريكي، وهو ما يمكن الإشارة إليه فيما يأتي:

1– قدرة إيران على اختراق الداخل الأمريكي: تعكس عملية الاغتيال قدرة إيران على اختراق الداخل الأمريكي؛ حيث زادت قدرة طهران على التخطيط لتنفيذ عمليات على مستوى أعلى داخل الولايات المتحدة، حتى إنها نجحت في الوصول إلى التحركات الداخلية لـ”جون بولتون”، فضلاً عن دفع نقود لأفراد مقيمين في الولايات المتحدة مقابل التقاط صور له؛ حيث أفاد المدعون العامون في أكتوبر 2021 بأنه كان هناك تواصل عبر الإنترنت بين بورصافي وشخص مقيم في الولايات المتحدة، يطلب منه الأول تتبع بولتون والتقاط صور له، بحجة أن بورصافي يحتاج إلى نشر تلك الصور في كتابه.

2– استهداف معارضي النظام الإيراني: تحبط السلطات الغربية والأمريكية من حين لآخر محاولات إيران المختلفة لاستهداف المعارضين والشخصيات السياسية البارزة المقيمة على أراضيها. فقد تم اعتقال شخص يحمل بندقية هجومية في الحي الذي تقطنه الصحفية والناشطة الأمريكية من أصول إيرانية مسيح علي نجاد، بعد مرور عام عن تصريحات حول نية طهران اختطافها، بجانب التخطيط لعملية اغتيال للسفير السعودي لدى الولايات المتحدة في عام 2011، ووزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية عادل الجبير عبر تفجير مطعم في واشنطن. بجانب محاولات لاغتيال السفير الأمريكي في جنوب أفريقيا. وتشير القضية الأخيرة إلى استمرار طهران في محاولاتها المختلفة لتقويض الأمن الداخلي للدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

3- ممارسة مزيد من الضغط على الخصوم: تشير عمليات الاغتيال الإيرانية التي تم الكشف عنها إلى مساعي طهران إلى إثبات قوتها أمام الولايات المتحدة والدول الغربية، وتصوير نفسها على أنها قوة لا يستهان بها، وأن هناك حاجة للتفاوض معها، والقبول بطلباتها المختلفة والخاصة برفع العقوبات عنها، مقابل عدم التصعيد، وعدم استهداف الأمن الداخلي لواشنطن والقوى الغربية.

4- انتقام طهران لمقتل قاسم سليماني: أثيرت التساؤلات الأمريكية حول ردود الفعل الإيرانية على مقتل قاسم سليماني في عام 2020، الذي يعد من أبرز الشخصيات الإيرانية بعد المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. ولعل التخطيط لاغتيال بولتون المهندس الرئيسي لحملة “الضغوط القصوى” التي مارستها إدارة ترامب ضد طهران عبر تصعيد العقوبات الاقتصادية عليها، فضلاً عن كونه من مؤيدي اغتيال سليماني بحجة “شل الاقتصاد الإيراني”، والضغط “لتغيير النظام الإيراني”، هو محاولة من جانبها للانتقام لمقتل سليماني الذي سبق أن أعقبه إطلاق صواريخ إيرانية على القوات الأمريكية في العراق أصابت العشرات دون وقوع وفيات أمريكية.

5- التحرك الأمني الاستباقي في الولايات المتحدة: يؤكد الكشف عن عمليات الاغتيال الإيرانية عن قوة النظام الأمني الأمريكي، ولا سيَّما أن العملية كان يتم التخطيط إليها خلال الفترة من أكتوبر 2021 حتى أبريل من العام الجاري، وهي فترة ليست بالقصيرة، وقد ساهمت في نجاح واشنطن في الزج ببعض عملائها لكشف المخطط الإيراني، بما يؤكد قدرة واشنطن على تأمين مواطنيها من الشخصيات السياسية المعروفة. ومع ذلك، فإن طعن الكاتب سلمان رشدي يؤكد أن هناك ثغرات، وأن طهران قادرة على الوصول إلى بعض الأشخاص الموجودين على الأراضي الأمريكية، وهو تهديد لسيادة الدولة، فضلاً عن كونه يثبت أن أي اتفاق دبلوماسي مع إيران لن يصحبه محاولات لتقليل حدة العداء تجاه واشنطن وحلفائها.

تبعات متعددة

تمر العلاقات الأمريكية–الإيرانية بلحظات حرجة، لا سيَّما أن الدولتين لم تنجحا حتى الآن في الوصول إلى شكل محدد حول صيغة وطبيعة خطة العمل الشاملة المشتركة، ومن شأن الكشف عن عمليات الاغتيال الإيرانية داخل الأراضي الأمريكية أن يؤدي إلى مجموعة من النتائج التي يمكن إيجازها فيما يأتي:

1– تزايد عدم الثقة حول المفاوضات النووية الجارية: من المتوقع أن يؤدي الكشف عن عمليات الاغتيال إلى زيادة توتر العلاقات الأمريكية–الإيرانية التي تتسم بالهشاشة أساساً؛ ما سيتبعه صعوبة في الوصول إلى اتفاق نووي جديد يتفق عليه الطرفان، من جراء عدم ثقة كل من الطرفين بنوايا الآخر؛ إذ لا تثق واشنطن بنوايا طهران حول التقليل من العمليات التي ترتكبها، سواء داخل منطقة الشرق الأوسط أو خارجها، بينما تتخوف طهران من التوقيع على اتفاق جديد تقوم الإدارة الأمريكية القادمة بالانسحاب منه مرة أخرى. وهذا يعني في المجمل تعليق النص النهائي الذي صاغه الاتحاد الأوروبي، والذي يشاور فيه المفاوضون الآن حكوماتهم لاتخاذ موقف نهائي بشأنه.

2– تصاعد حدة الانتقادات الداخلية لإدارة بايدن: من المتوقع ارتفاع أصوات الجمهوريين والشخصيات السياسية العامة المناهضة للوصول إلى اتفاق نووي جديد؛ حيث يؤكد الكشف عن تلك العمليات عن عدم وجود نية لدى طهران لعدم الالتزام بأي اتفاق يتم الوصول إليه، حتى لو كان التخطيط لاستهداف هؤلاء الأشخاص الذين عملوا خلال حقبة الرئيس السابق ترامب، رداً على سياسة الضغوط القصوى التي اتبعها معهم وانتقاماً لمقتل قاسم سليماني.

كذلك فإن الحادث الأخير الذي قام فيه شاب بطعن الكاتب الروائي البريطاني من أصول هندية سلمان رشدي بسبب إهدار دمه في فتوى للخميني منذ عام 1989 على خلفية الاعتراض على أفكار روايته “آيات شيطانية”، يؤكد استمرار سلوك طهران النهج نفسه. وهو ما أكَده بولتون في بيان صادر عن مكتبه بعد الإعلان عن تلك العملية قائلاً: “بينما لا يمكن قول الكثير علناً الآن، توجد نقطة واحدة لا جدال فيها هي أن حكام إيران كذابون وإرهابيون وأعداء للولايات المتحدة، وأهدافهم الراديكالية المعادية لأمريكا لم تتغير، ولا قيمة لالتزاماتهم، وتهديدهم العالمي آخذ في الازدياد”.

3– تصعيد أمريكي محتمل ضد النظام الإيراني: أكد جيك سوليفان مستشار الأمن القومي للرئيس بايدن أن الإدارة الأمريكية ستحمي جميع الأمريكيين “من تهديدات العنف والإرهاب”، وأن “إيران ستواجه عواقب وخيمة” إذا تعمدت إيذاء أي مواطن من مواطني الولايات المتحدة، وجاء ذلك عقب الإعلان عن قضية الاغتيالات، وأيضاً في بداية عام 2022، حينما تم فرض عقوبات إيرانية على 51 مواطناً أمريكياً؛ ما يعني أن واشنطن قد توجه ضربات مباشرة أو غير مباشرة لأهداف إيرانية مختلفة، كما أنها ستدعم إسرائيل في مختلف الضربات التي تنفذها ضد الأهداف الإيرانية، سواء كانت منشآت أو شخصيات إيرانية بارزة على غرار العلماء العاملين في المجال النووي.

4– نفي إيران المزعوم للاتهامات الأمريكية: نفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني تلك التهم عن إيران، مشيراً إلى أن واشنطن تطلق “اتهامات لا أساس لها دون أدلة أو وثائق موثوقة”، مشيراً إلى استعداد طهران لنفي تلك التهم عن نفسها أمام المحاكم الدولية، واصفاً بولتون بأنه “عنصر عديم القيمة”، ومشيراً إلى محاولات واشنطن للتهرب من “الجرائم الإرهابية المتورطة فيها” على غرار اغتيال سليماني، ودعمها إسرائيل وتنظيم داعش، مؤكداً أن طهران ستدافع عن رعاياها وحقوقهم ضد أي تهديد لهم؛ وذلك بما يكفله لها القانون الدولي. ومع ذلك، فإذا أثبتت التهمة على بورصافي فسيواجه عقوبتين بالسجن: واحدة لمدة 10 أعوام مع تغريمه 250 ألف دولار لاستغلال المرافق التجارية لتنفيذ عملية قتل مقابل نقود، والثانية لمدة 15 عاماً مع تغريمه 250 ألف دولار لمحاولة الاشتراك في “مؤامرة قتل عابرة للحدود”.

تأخير التفاهمات

في الختام، يمكن القول إن الكشف عن العديد من عمليات الاغتيال الإيرانية على الأراضي الأمريكية من شأنها أن تؤخر الوصول إلى اتفاق نووي بين الولايات المتحدة وإيران، وهو الاتفاق الذي في حال الوصول إليه ستكون هناك نبرة معارضة قوية له في الداخل الأمريكي؛ لأنه سيظهر ضعف الولايات المتحدة أمام إيران وعدم قدرتها على تقويم سلوكها داخل منطقة الشرق الأوسط أو خارجها، كما سيؤكد قدرة طهران على “الإفلات من العقاب”.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%85%d8%b9%d8%b6%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%82%d8%a9/