معضلة ترانسنيستريا:

هل تخطط روسيا لتوسيع عمليتها العسكرية تجاه مولدوفا؟
معضلة ترانسنيستريا:
30 أبريل، 2022

لم يَعُد سيناريو امتداد الحرب الأوكرانية إلى دول الجوار – الذي طُرح في المراحل الأولى من الحرب – مستبعداً؛ وذلك في ضوء التطورات التي شهدتها منطقة ترانسنيستريا في مولدوفا؛ فخلال الأيام الماضية، تزايدت المؤشرات حول إمكانية استخدام موسكو الوضع الخاص للمنطقة، التي أعلنت انفصالها عن مولدوفا في عقد التسعينيات من القرن الماضي، من أجل توسيع عمليتها العسكرية القائمة حاليّاً في أوكرانيا؛ حيث تناقلت العديد من وسائل الإعلام مؤخراً تصريحات لمسؤول عسكري كبير في روسيا أوضح خلالها أن موسكو تهدف إلى إنشاء ممر عبر جنوب أوكرانيا إلى ترانسنيستريا شرق مولدوفا، ناهيك عن التفجيرات التي وقعت في الإقليم يوم 26 أبريل الجاري، وهي المتغيرات التي أثارت العديد من التكهنات التي ذهبت إلى تجاوز أهداف العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، حدودَ السيطرة على الجنوب والشرق الأوكراني، ونقل ساحة المعركة إلى مولدوفا.

امتدادات الصراع

شهدت الأيام الماضية بروز العديد من المؤشرات التي عكست إمكانية امتداد التحرُّكات العسكرية الروسية إلى منطقة ترانسنيستريا الانفصالية في مولدوفا، وإمكانية توظيفها كواحدة من أوراق الصراع الأوكراني. ويمكن تناول أبرز هذه المؤشرات على النحو الآتي:

1– تهديدات روسية متزايدة: من المؤشرات الرئيسية التي عكست احتمالية توسُّع الأهداف العسكرية الروسية وامتدادها لتشمل منطقة ترانسنيستريا في مولدوفا، ما صرَّح به “رستم مينكاييف” نائب قائد المنطقة العسكرية المركزية في روسيا، من أن هناك خططاً للكرملين للعبور إلى ترانسنيستريا، مُشيراً إلى أن السيطرة على جنوب أوكرانيا هو طريق آخر إلى ترانسنيستريا. وحاول الجنرال الروسي تبرير هذا التوجه بالقول بأن هناك اضطهادات يتعرَّض لها الناطقون بالروسية في هذه المنطقة، مُضيفاً أن روسيا الآن في “حالة حرب ضد العالم بأسره، كما كان الحال في الحرب الوطنية العظمى”، في إشارة إلى الحرب العالمية الثانية.

2– انفجارات في ترانسنيستريا: أشارت وزارة الداخلية في منطقة ترانسنيستريا الانفصالية، في بيان لها يوم 26 أبريل الجاري، إلى وقوع “انفجارين في قرية ماياك، صباح يوم 26 أبريل، أولهما في الساعة 06:40، والآخر في الساعة 7:05 “. وأضاف البيان “لم يتعرض أي من السكان لأذى في الانفجارين اللذين أفضيا إلى تخريب برجين إذاعيين من الحقبة السوفييتية في المنطقة”، كما أوضح بيان آخر للوزارة، يوم 27 أبريل الجاري، أنه تم رصد عدة طائرات مُسيَّرة في الليلة السابقة وهي تحلق فوق قرية كوباسنا، وأنها انطلقت من أوكرانيا. وأضافت الوزارة، في بيان لها، أن أعيرة نارية أُطلقت من الأراضي الأوكرانية باتجاه القرية الحدودية ولم تذكر تفاصيل أخرى، لكنها قالت إن إطلاق النار لم يسفر عن أي إصابات. وقد كشفت هذه الأحداث عن صعوبة تحجيم آثار الحرب الأوكرانية ومنعها من الامتداد إلى داخل مولدوفا.

3– تحذيرات أوكرانية رسمية: اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا بمحاولة تقويض أمن مولدوفا، مؤكداً أن موسكو تهدد هذه البلاد إذا واصلت دعمها لكييف، فيما قال نائب وزير الدفاع الأوكراني إن روسيا ستستغل الآن أراضي ترانسنيستريا لاستخدامها منصةً لشن هجمات على مولدوفا أو أوكرانيا، وهو ما أكدته وزارة الخارجية الأوكرانية في بيان لها. وقد عكست هذه المؤشرات وجود ما يشبه الإجماع بين الدوائر الغربية والأوكرانية على احتمالية أن تكون خطوة روسيا القادمة هي مد ساحة المعركة إلى مولدوفا. ويبدو أن أوكرانيا بدأت في التعاطي مع هذه الفرضية، وحشد المجتمع الدولي والغربي لمواجهة أي تحركات روسية محتملة في ترانسنيستريا.

أهداف موسكو

يوجد جملة من الدوافع والأهداف التي قد تدفع روسيا باتجاه مد مساحة عمليتها العسكرية لتشمل إقليم ترانسنيستريا الانفصالي في مولدوفا. وتتمثل أهم هذه الأهداف فيما يأتي:

1إنشاء ممر بري مع القرم: تذهب بعض التقديرات إلى أن أحد الأهداف الرئيسية التي قد تدفع روسيا إلى السعي لمد ساحة المعركة العسكرية إلى ترانسنيستريا، هو كون هذا التحرك جزءاً من استراتيجية روسية أوسع فيما يُطلق عليه “المرحلة الثانية من الحرب”، وتستهدف من جانب إنشاء ممر بري باتجاه شبه جزيرة القرم؛ لتأمين المجال الاستراتيجي الروسي، وتستهدف من جانب آخر عزل بقية أوكرانيا عن البحر ومنع وصول إمدادات الأسلحة الغربية المتطورة إلى حكومة كييف.

وفي هذا الإطار، ربما تحاول روسيا دخول إقليم ترانسنيستريا استغلالاً لحالة الوهن والتشتُّت الغربي الحالية. صحيح أن الولايات المتحدة تدفع بقوة نحو فرض عزلة دولية على موسكو، إلا أن أولويتها الرئيسية تظل متعلقة بمواجهة الصين. ومن جهة أخرى، يبدو الموقف الألماني متأرجحاً بسبب الاعتماد الكبير على الغاز الروسي، وفرنسا مشغولة بإعادة ترتيب البيت السياسي الداخلي في مرحلة ما بعد انتخاب ماكرون، كما أن الناتو غير مستعد للدخول في حروب عسكرية، وهو أمر أكدته الحرب الأوكرانية. ومن ثم ربما وجدت روسيا في هذا السياق فرصة مناسبة لتحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل في إنشاء رابط جغرافي بإقليم ترانسنيستريا.

2– الحفاظ على النفوذ بأوروبا الشرقية: مع انهيار الاتحاد السوفييتي، وإعلان مولدوفا استقلالها، نشب أول صراع بين مولدوفا والانفصاليين في ترانسنيستريا، في أوائل التسعينيات؛ حيث أراد الانفصاليون الحفاظ على علاقاتهم بموسكو، ومنذ ذلك الوقت أصبحت هذه المنطقة الانفصالية محط اهتمام كبير من قِبل روسيا، وباتت تُقدِّم لها كافة سبل الدعم، خصوصاً على المستوى الاقتصادي والطاقة. علاوة على ذلك، فإن لروسيا قوات عسكرية في المنطقة الانفصالية تحت صيغة قوات حفظ السلام لضبط الأوضاع بين القوات الانفصالية وقوات الدولة. وفي سياق كهذا، يبدو النفوذ الروسي في ترانسنيستريا أحد ضمانات الحفاظ على النفوذ الروسي في أوروبا الشرقية.

3– تكثيف الضغط على مولدوفا: يحتمل أن يكون التلويح الروسي بإمكانية امتداد الحرب إلى إقليم ترانسنيستريا، أو حتى اتخاذ هذه الخطوة بالفعل، بمنزلة تحرك يستهدف الضغط على مولدوفا التي بدأت في الأشهر الأخيرة تتبنى تحركات تستهدف تحقيق المزيد من التقارب مع المعسكر الغربي، وهو ما تجسَّد في تقديمها طلباً رسميّاً، في مارس الماضي، للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ومن ثم، ترغب روسيا في إيصال رسالة إلى مولدوفا، أنها ليست بعيدة عن السيناريو الأوكراني.

4– الرد على العقوبات الغربية: تعكس التحركات الروسية الأخيرة في ملف إقليم ترانسنيستريا، محاولة من قبل موسكو للرد على العقوبات الغربية المفروضة عليها، وبعث رسالة إلى الغرب مفادها أن التضييق عليها ومواصلة نهج العقوبات المتشدد لن يؤدي إلى تراجعها، بل سيدفعها إلى الاستمرار في استراتيجيتها العسكرية وتطويرها نحو تحقيق المزيد من الأهداف البعيدة عن أوكرانيا؛ وذلك ضمن طموحات إعادة تشكيل الفضاء السوفييتي، وتأكيد النفوذ روسيا في نطاقها التاريخي. ولا يمكن إغفال أن هذا الأمر سيعزز مخاوف الدول الأوروبية، ويُحتمَل أن يدفعها نحو البحث عن مسار جديد للتفاهم مع روسيا بعيداً عن نهج التصعيد الشامل.

تحديات جوهرية

في الختام.. بالرغم من تصاعد المؤشرات التي تعكس احتمالية امتداد العملية العسكرية الروسية، لتشمل إقليم ترانسنيستريا الانفصالي في مولدوفا، فإن هذه الفرضية وهذا التحرك المُحتمَل يواجه جملة من التحديات قد تحول دون حدوثه، ومن هذه التحديات حالة الإنهاك التي تعاني منها القوات الروسية بسبب الحرب الأوكرانية، فضلاً عن الأزمات الاقتصادية واللوجستية الكبيرة التي تواجه الجيش الروسي، بما يحول دون القدرة على فتح جبهة جديدة. يُضاف إلى ذلك أن الوضع العام في ترانسنيستريا هادئ إلى حد كبير، وهو الأمر الذي لا يخلق أي مبررات لتدخُّل عسكري روسي في الإقليم الانفصالي.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%85%d8%b9%d8%b6%d9%84%d8%a9-%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%86%d8%b3%d9%86%d9%8a%d8%b3%d8%aa%d8%b1%d9%8a%d8%a7/