منع الاشتباك:

لماذا رفضت إدارة "بايدن" إمداد أوكرانيا بأنظمة صواريخ بعيدة المدى؟
منع الاشتباك:
5 يونيو، 2022

للقراءة بصيغة PDFHTML tutorial


لعبت الإدارة الأمريكية دوراً مهماً في تعزيز القدرات الدفاعية لأوكرانيا؛ لصد الهجمات العسكرية الروسية، وتعزيز قدراتها على الدفاع عن وحدة أراضيها وسيادتها؛ حيث عملت على تزويد كييف بمجموعة مختلفة من الأسلحة الأمريكية والصواريخ المتطورة، فضلاً عن المعلومات الاستخباراتية التي مكَّنتها من استهداف بعض جنرالات الجيش الروسي، وموافقة الكونجرس على حزمة مساعدات عسكرية واقتصادية وإنسانية لأوكرانيا بقيمة 40 مليار دولار، لكنها ترفض تزويد كييف بأنظمة قاذفات صواريخ بعيدة المدى قادرة على ضرب أهداف داخل الأراضي الروسية.

أهداف أمريكية

أرسلت الإدارة الأمريكية صواريخ مختلفة إلى أوكرانيا، على غرار صواريخ “ستينجر” و”جافلين”، ومدافع الهاوتزر، وسترسل في الدفعة الأخيرة، التي تصل قيمتها إلى 700 مليون دولار أمريكي، صواريخ جافلين المضادة للدبابات، ورادارات المراقبة الجوية والمركبات التكتيكية، وطائرات مروحية، وقطع غيار تسمح لكييف بإجراء صيانة على معداتها العسكرية، فضلاً عن “نظام الصواريخ الموجهة المتعدد الإطلاق”، الذي من المرجح أن يكون من طراز “هيمارس” العالي الحركة. وقد هدفت الإدارة الأمريكية من هذا الدعم تحقيق جملة من الأهداف الرئيسية من أبرزها:

1– تعزيز القدرات الدفاعية الأوكرانية: أشار العديد من مسؤولي الإدارة الأمريكية إلى أن الإمدادات العسكرية الأمريكية لأوكرانيا تهدف إلى معاونة كييف على التصدي للغزو الروسي، وضرب أهداف محددة، بما في ذلك مستودعات الإمدادات الروسية، وهو ما سيضع القوات الروسية في مأزق لوجستي، وسط الأخبار المتداولة حول أن القوات الروسية تواجه مشاكل لوجستية، وتتبع تكتيكات غير مرنة في ساحات القتال، بما قد يساعدها على تغيير موازين القتال لصالح كييف.

وقد أوضحت الإدارة الأمريكية أنها ستدرب الجيش الأوكراني خلال فترة قد تزيد عن 10 أيام، على كيفية استخدام الصواريخ المرسلة، وسيتم البدء في هذا الأمر بسرعة حتى يمكن الاستفادة من أنظمة الصواريخ المرسلة والمنتجة من جانب شركة “لوكهيد مارتن”.

2– الحفاظ على سيادة واستقلال أوكرانيا: ذكر الرئيس الأمريكي في مقاله بصحيفة “نيويورك تايمز” في 31 مايو الفائت بعنوان “ما الذي ستفعله وما الذي لن تفعله أمريكا في أوكرانيا؟” أنه يرغب في رؤية أوكرانيا “تنعم بالديمقراطية والاستقلال والسيادة والازدهار”، وأن يكون لديها ما يُمكِّنها من الدفاع عن نفسها وردع أي عدوان، وأن تكون في وضع أفضل على طاولة المفاوضات، التي تعكس الحقائق على الأرض.

3– إنهاك القوة العسكرية الروسية: في ظل تبني الإدارة الأمريكية استراتيجية “منافسة القوى العظمى” مع خصمَيْها الاستراتيجيَّين: روسيا والصين اللتين تُشكِّلان تحدياً للقوة والنفوذ الأمريكي دولياً، فقد ذهبت تحليلات غربية إلى أن الولايات المتحدة ترغب من تعزيز القدرات الدفاعية الأوكرانية؛ لإطالة أمد الحرب الروسية في أوكرانيا؛ لتكون مستنقعاً للقوات الروسية وإنهاكها عسكرياً، كما فعلت في ثمانينيات القرن المنصرم بإنهاك القوات السوفييتية خلال فترة الحرب الباردة في أفغانستان؛ وذلك بهدف تحييد القوة الروسية على الساحة الدولية؛ لتركز الولايات المتحدة على مواجهة الصعود والتحدي الصيني لها.

 4– الرد على انتقادات الجمهوريين: يأتي قرار الإدارة الأمريكية مد أوكرانيا بالمزيد من الأسلحة رداً على الانتقادات الجمهورية للإدارة الأمريكية حول تلكُّؤها في تقديم يد العون والمساعدات المطلوبة العاجلة إلى كييف لدعمها في مواجهة الضربات العسكرية الروسية المستمرة؛ فعلى سبيل المثال، غرَّد السيناتور الجمهوري روب بورتمان قائلاً: “كان واضحاً خلال اجتماعاتي في أوروبا، بما في ذلك الاجتماع مع مسؤول اتصال أوكراني بارز في مركز القيادة الأوروبية للجيش الأمريكي، ودول حليفة أخرى، أن أوكرانيا تحتاج إلى نظام الأسلحة هذا الآن للدفاع ضد الهجوم الروسي المستمر عليها”.

دلالات الرفض

حاولت أوكرانيا الحصول على أنظمة قاذفات صواريخ بعيدة المدى قادرة – من منظورها – على تغيير موازين الحرب لصالحها، لكن الإدارة الأمريكية رفضت مدها بهذا النوع من الصواريخ، بما يحمل مجموعة من الدلالات يمكن إيجازها فيما يأتي:

1– تجنُّب التصعيد ضد موسكو: فسر الرئيس جو بايدن عدم إرساله صواريخ بعيدة المدى إلى أوكرانيا تساعدها على ضرب أهداف داخل الحدود الروسية بأن الولايات المتحدة لا ترغب في الاصطدام المباشر بروسيا؛ لذلك اكتفت بالصواريخ القادرة على ضرب أهداف تصل إلى 80 كيلومتراً، ولم ترسل صواريخ أمريكية قادرة على ضرب أهداف على مدى يزيد عن أكثر من 298 كيلومتراً؛ حيث رفضت واشنطن مد كييف بنظام الصواريخ التكتيكية “أتاكمز” ATACMS؛ نظراً إلى أن هذا النظام قادر على تمكين كييف من ضرب أهداف داخل الأراضي الروسية، بما في ذلك المراكز الحضرية والقواعد العسكرية الروسية والمطارات داخل بعض المدن الروسية.

وعلى الرغم من إعلان الإدارة الأمريكية أن هدفها من عدم إمداد كييف بصواريخ بعيدة المدى تجنب الانخراط في صراع مباشر ضد روسيا؛ قال سيرجي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي، نقلاً عن وكالة الأنباء الروسية “ريا نوفوستي”، إن “خطط الولايات المتحدة للدعم العسكري لكييف في الصراع تعدٍّ غير مسبوق وخطير”، مشيراً إلى أن “أي توريد للأسلحة إلى أوكرانيا، بغض النظر عن الحجج الأمريكية، يزيد مخاطر الاصطدام المباشر بين موسكو وواشنطن”.

2– تشجيع التوصل إلى اتفاق دبلوماسي: قد يكون الهدف من عدم إرسال الولايات المتحدة صواريخ بعيدة المدى إلى أوكرانيا هو تشجيع روسيا على الدخول في مفاوضات سلام مع أوكرانيا؛ وذلك بعدما قد تكون الأخيرة قد ضغطت عليها وعلى مواردها العسكرية من خلال الأسلحة المختلفة التي تحصل عليها من واشنطن وحلفائها؛ حيث قال الرئيس بايدن، خلال مقالته السالفة الذكر، إن “الدبلوماسية هي السبيل الأمثل لحل هذا الصراع”، مشيراً إلى أن الدعم العسكري المقدم لأوكرانيا يهدف إلى مساندتها على الصمود في القتال، ومنحها موقفاً أقوى على طاولة المفاوضات مع موسكو.

3– الحفاظ على مصالح الحلفاء الأوروبيين: لا تزال لدول الاتحاد الأوروبي مصالح كبيرة مع روسيا؛ لذلك لن ترغب الولايات المتحدة في تهديد تلك المصالح؛ حيث إن ممارسة ضغط قوي على موسكو قد يدفعها إلى الإضرار بمصالح الحلفاء، التي يأتي على رأسها مد الحلفاء الأوروبيين بالغاز الروسي. وفي ضوء ذلك رفض بايدن إرسال أنواع معينة من الصواريخ، موضحاً أنه سيستمر في التعاون مع الحلفاء لتطبيق العقوبات الاقتصادية على روسيا، كما سيستمر في تقديم أنواع مختلفة من الأسلحة إلى أوكرانيا تُمكِّنها من الصمود، فضلاً عن المساعدات المالية، والتعاون مع الحلفاء لمواجهة أزمة الغذاء العالمية التي تزيد بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، بجانب تسريع الانتقال إلى الطاقة النظيفة؛ لتقليل اعتماد الحلفاء على موسكو، وتعزيز قدرات الجناح الشرقي لحلف الناتو، والترحيب بانضمام السويد وفنلندا إلى الناتو لدعم أمن الحلف.

4– تأكيد النوايا الأمريكية: أوضح بايدن أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى الإطاحة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما أنها لن تسعى إلى إذكاء الحرب بين موسكو وحلف الناتو، وكذلك لن ترسل قوات أمريكية للقتال في أوكرانيا، ولن تهاجم القوات الروسية؛ لذلك امتنعت الإدارة الأمريكية عن دعم أوكرانيا بقدرات عسكرية قادرة على استهداف الأراضي الروسية، لكنها دعمتها بما يؤكد الالتزام الأمريكي بمساندة حلفائها وأصدقائها حول العالم.

إنهاك موسكو

وختاماً، يمكن القول إن الدعم الأمريكي لأوكرانيا يأتي في إطار رغبة الولايات المتحدة في دفع روسيا إلى طاولة المفاوضات، من خلال مساعدة أوكرانيا على الصمود لفترة أطول في الصراع؛ لإنهاك الجانب الروسي الذي يعاني في الأساس من مشكلات لوجستية، كما أن واشنطن لا ترغب في إشعال فتيل الحرب بين موسكو ودول حلف الناتو؛ لأنها بذلك ستضر بمصلحة حلفائها داخل القارة الأوروبية؛ لذلك رفضت أن ترسل إلى كييف صواريخ بعيدة المدى تُمكِّنها من استهداف الأراضي الروسية.


https://www.interregional.com/%d9%85%d9%86%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b4%d8%aa%d8%a8%d8%a7%d9%83/