من داخل الإقليم:

أ. عماد الدين أديب يطرح رؤيته حول تناقضات السياسة الخارجية الأمريكية
من داخل الإقليم:
16 سبتمبر، 2021

كل من راهن ويراهن اليوم ويستمر في المراهنة على السياسة الاميركية في الشرق الأوسط يراهن على قوى غير مبدئية، انتهازية، تبيع حلفاءها بأرخص الأثمان!

الولايات المتحدة، لاعب رئيسي في العالم، صاحبة قدرة نووية، بل هي الوحيدة التي استخدمها -حتى الآن- عضو الدول الخمس الكبار في مجلس الأمن، عملاق اقتصادي، أكثر من ثلثي الكتلة النقدية في العالم بالدولار الاميركي، ذات تأثير ثقافي عابر للحدود، صاحبة أهم شركات مؤثرة في تكنولوجيا العالم: آبل، مايكروسوفت، أمازون، تسلا، أوبر. رغم ذلك كله لا يمكن أن تضع أي دولة عربية مصير أمنها القومي، واقتصادها الوطني، وسلامة الحاكم والحكومة فيها بين يدي البيت الابيض الاميركي.

هذا ليس موقفاً عاطفياً لكنه تقرير أمر واقع يأتي من قراءة واعية ومحايدة لكل قرارات واشنطن الشديدة الانتهازية التي باعت فيها حلفاءها الواحد تلو الآخر من أجل مصالح ذاتية أو تغيير في المصالح العليا أو بناء أولويات استراتيجية جديدة. هكذا باعت واشنطن الحلفاء في ڤيتنام، وكوبا ومصر وإيران الشاه، والآن في أفغانستان والعراق وليبيا والمعارضة الايرانية. إنها أزمة الواقعية التي تصل الى مرتبة الانتهازية، والانتهازية المصلحية التي تصل الى حد التخلي اللاأخلاقي عن المواقف المبدئية والمعاهدات والاتفاقات القانونية الملزمة.

هكذا تنتقل السياسة الخارجية الاميركية من النقيض الى النقيض أو من الصداقة الى العقوبات، ومن الحصار الى التعاون الكامل، ومن العداء الى “المحبة”، ومن الاتهام بالاستبداد الى التحدّث عن التغيير الايجابي، ومن الاتهام بانتهاك حقوق الانسان الى التعامي والتغاضي عن المذابح والمجازر والاعتقالات. حاور نظام أوباما نظام فيديل كاسترو الذي قاطعوه واتهموه بأشنع الصفات. حاور ترامب نظام كوريا الشمالية التي يعتبر واحداً من أبشع الأنظمة الاستبدادية في العالم. تعامت واشنطن عن نظام أردوغان وانتهاكاته منذ عام ٢٠١٦ ضد القضاء والصحافة والمعارضين واتهامات الفساد الخطيرة ضد أسرته، وسهّلت له دخول العراق وسوريا.

حاورت إدارة أوباما، والآن إدارة بايدن حكم ولاية الفقيه في إيران رغم اعتراضاتها المستمرة على نظام الحكم الاستبدادي فيه، وأبدت استعدادها للتوصل الى اتفاق شامل ورغبتها في إعادة تأهيل هذا النظام الذي يزداد تشدداً ولا يبدي أي مرونة سياسية. بدأت واشنطن منذ ٤ سنوات حواراً جاداً مع “طالبان” في الدوحة ووصلت الى تسليم البلاد والعباد الى الطالبان، وباعت حلفاءها الذين صنعتهم على مدار ٢٠ عاماً، وتركت أفغانستان “هدية لميليشيات الطالبان” بعد أن كلفها ذلك تريليون دولار. أحد عمليات التخلي الاميركية المذهلة هو نص بيان واشنطن الصادر بعد ٣ ساعات من الاعلان عن تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة. هذا البيان هو نموذج للانتهازية الاميركية التي يجب أن تعطينا درساً جديداً في عمليات التخلي الكامل والبيع المجاني للحلفاء!

ماذا قال البيان؟

قال البيان بالنص: “إنّ الولايات المتحدة ترحب بتشكيل حكومة جديدة في لبنان برئاسة نجيب ميقاتي”. وأضاف البيان “نرحب باتفاق زعماء لبنان على تشكيل حكومة جديدة… وندعو البرلمان اللبناني للمصادقة على هذه الحكومة”. إذاً، واشنطن توافق على حكومة حصلت على ضوء أخضر إيراني – سوري عبر تحالف حزب الله – ميشال عون اللذين كانت وما زالت واشنطن تفرض عليهما عقوبات! إذاً، واشنطن، على عكس كلام السفيرة الاميركية في لبنان تبارك حكومة حاصلة على رضى وتمثيل “الزعماء السياسيين اللبنانيين” سيما السفيرة الاميركية، بعدما كانت تدعم حكومة اختصاصيين مستقلين حسب رغبة المجتمع المدني وثوار أكتوبر.

فور الاعلان عن تشكيل الحكومة والمصادقة عليها جاء إعلان من صندوق النقد الدولي عن تقديم مساعدة عاجلة بمبلغ ١.١٣٥ مليار دولار من صندوق السحب الخاص. وليس سراً أنّ صندوق النقد الدولي لا يعمل بعيداً أو مضاداً للرغبة السياسية للإدارة الاميركية.

يأتي ذلك كله بعد رصد الآتي:

1- الخروج المرتبك لواشنطن من أفغانستان.

2- سحب واشنطن لمجموعات من صواريخ باتريوت ومنظومات “تساد” الدفاعية من قاعدة الامير سلطان بالسعودية.

3- استمرار الضغط على الرياض لسرعة إنجاز أي اتفاق سلام مع الحوثيين رغم استمرارهم في أعمال عدائية ضد الأراضي السعودية.

4- زيادة نبرة انتقاد أمور حقوق الانسان في مصر من جهات أميركية.

5- إيقاف التعاون المعلوماتي العسكري الاميركي الخاص بتوفير صوَر الأقمار الصناعية لأهداف وتحركات حوثية في اليمن من الممكن أن يساعد القوات الجوية السعودية في إنشاء بنك أهداف.

إذاً، نحن مع إدارة تبيع الحلفاء بأي ثمن تحت دعاوى “إعادة مراجعة الاستراتيجيات لخدمة المصالح العليا ومفاهيم الأمن القومي الاميركي الجديد”. لذلك كله، نقول للذين ما زالوا يعيشون تحت وهم “ان واشنطن حليف قوي يوثق فيه أفيقوا من هذه الغيبوبة الخطرة… لا تنتظروا شيئاً يسر القلب آتياً من الغرب”. وكما بقية المثل المصري الشعبي:

“يا مستني السمنة من بطن النملة لا عمرك ح تقلي ولا ح تاكل”.

المصدر: جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونية


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%85%d9%86-%d8%af%d8%a7%d8%ae%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%82%d9%84%d9%8a%d9%85/