نظام التعايش:

ما الذي كشفت عنه الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الفرنسية؟
نظام التعايش:
17 يونيو، 2022

عُقدت الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الفرنسية، يوم 12 يونيو الجاري؛ للمنافسة على 577 مقعداً هي عدد مقاعد الجمعية الوطنية الفرنسية، وفقاً لنظام الاقتراع الفردي الذي بموجبه يُعتبَر المرشح فائزاً بمقعد الدائرة إذا نجح في الحصول على أكثر من 50% من الأصوات في الجولة الأولى أو الثانية. هذا وقد أسفرت الجولة الأولى عن نتائج مقلقة للرئيس الفرنسي، وفتحت المجال لإمكانية إنتاج نظام “التعايش Cohabitation” للمرة الرابعة في تاريخ الجمهورية الخامسة، الذي يكون فيه رئيس الوزراء من تكتل سياسي أو حزب معارض للرئيس، وهو ما سيُحسَم بصورة نهائية في الجولة الثانية المقرر عقدها يوم 19 يونيو.

اتجاهات رئيسية

كشفت الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الفرنسية عن عدد من الاتجاهات الرئيسية التي تشير إلى بعض التغيرات في المشهد السياسي الفرنسي. وتتمثل أهم هذه الاتجاهات فيما يأتي:

1– تصاعد أهمية التكتلات السياسية في الانتخابات: جاءت نتائج الانتخابات الرئاسية في شهر أبريل الماضي كجرس إنذار لكل من الرئيس “ماكرون” ووجوه المعارضة بأن تأييد الناخبين سيكون منقسماً إلى حد كبير بين الطرفين في الانتخابات البرلمانية؛ وذلك في إشارة إلى تراجع شعبية الرئيس الفرنسي عن انتخابات 2017، والارتفاع النسبي في التأييد الذي حظي به مرشح اليسار المتطرف “جان لوك ميلونشون”.

وقد شجَّع هذا العامل كلاً منهما على الاتجاه نحو التكتلات السياسية مع اختلاف الدوافع بينهما؛ ففي حين اتجه حزب الرئيس “الجمهورية للأمام” إلى التحالفات السياسية لتراجع الشعبية، اتجه حزب “ميلونشون” إلى هذه التكتلات لارتفاع حظوظه في الحصول على الأغلبية البرلمانية؛ لذلك أفرزت التحالفات الانتخابية ما قبل الانتخابات تكتلَين رئيسيَّين هما تحالف “معاً! الأغلبية الرئاسية” الذي يجمع كافة المرشحين المؤيدين لخطة عمل الرئيس من حزبه التقليدي وأحزاب وسطية أخرى مثل “أراضي التقدم” و”الإنجاز” و”آفاق”، وتحالف أحزاب اليسار بقيادة “ميلونشون” تحت مسمى “Nupes”، وهي الكتلة التي تجمع كلاً من “ائتلاف التجمع الشعبي الجديد Nouvelle Union Populaire”، والخضر، والأحزاب الاشتراكية، الذين يأملون تسمية “ميلونشون” رئيساً للوزراء حال فوزهم بالأغلبية في الجولة الثانية.

2– نتائج معبرة عن الاستقطاب المجتمعي العميق: تشير نتائج الانتخابات إلى ارتفاع نسبة الامتناع عن التصويت من 51.29% في انتخابات 2017 إلى 52.49% في انتخابات 2022، وهو رقم يعتبر قياسياً في معدلات الامتناع في تاريخ الجمهورية الخامسة، وهو ما يشير إلى فقدان الشغف السياسي لدى قطاع واسع من داعمي اليمين واليسار الوسطي، في ظل الانتكاسة الكبيرة التي أصابت أحزابهم. أما على صعيد النتائج، فقد حسم 5 مرشحين فقط مقاعدهم خلال الجولة الأولى، منهم أربعة من تكتل اليسار، وواحد من تكتل الوسط. ووفقاً للنتائج الرسمية التي نشرتها وزارة الداخلية الفرنسية، فقد حصل تكتل “معاً” الرئاسي الوسطي على 25.75%، وجاء بعده تكتل Nupes اليساري بفارق طفيف؛ إذ حصل على 25.66% من الأصوات. ثم حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بواقع 18.68% من الأصوات.

هذا وتشير هذه النتائج إلى أن استراتيجية اليسار قد نجحت بالفعل في تحقيق حظوة في معدلات تأييد اليسار، مهددةً الأغلبية البرلمانية التي تمتَّع بها الرئيس خلال فترته الأولى. رغم ذلك، فإن تحليل الدوائر الانتخابية يشير إلى إمكانية تفوق تكتل “معاً” في الجولة الثانية والاحتفاظ بالأغلبية البرلمانية – وإن كان من المستبعد أن تكون مطلقة – بناءً على توقعات الفوز في كل دائرة بين المرشحين المنتقلين إلى الجولة الثانية.

3– الطابع التكتيكي لائتلاف الرئيس: حيث إن التفاهمات التي أدَّت إلى تكوين ائتلاف “معاً” الوسطي، تشير إلى كونه ذا طبيعة تكتيكية تهدف إلى العبور بتيار الرئيس إلى بر الأمان في الانتخابات التشريعية بالحصول على الأغلبية، ثم تقسيم هذا التكتل إلى عدد من التيارات داخل البرلمان. ويجمع الائتلاف مرشحي حزب الرئيس “الجمهورية إلى الأمام”، بجانب أحزاب “أراضي التقدم”، و”تحرك” و”مشترك” التي ستندمج في حزب الرئيس بحلول الصيف.

4– الأهداف الاستراتيجية لائتلاف اليسار: على النقيض من الطابع التكتيكي لائتلاف الرئيس، يجتمع تآلف اليسار تحت برنامج انتخابي واحد، أملاً في تكوين كتلة ذات طبيعة استراتيجية مستمرة في البرلمان لأطول فترة ممكنة. هذا ورغم رغبة اليسار الحقيقية في التوحد داخل تيار واحد تحت قبة البرلمان، فإن احتمالية إصدار مجلس الدولة قراراً إدارياً عقب الانتخابات، قد يقسم هذا التكتل إلى أربعة تيارات داخل البرلمان، كل منها يمثل حزباً رئيسياً من أحزاب اليسار: حزب الاشتراكيين الفرنسي، وحزب فرنسا الأبية، وحزب الخضر، والحزب الاشتراكي.

5– استمرار انقسام اليمين المتطرف: في الوقت الذي توقع فيه عدد من المحللين أن يتوحد أنصار اليمين المتطرف – خاصةً مؤيدي لوبان وزيمور – تحت راية واحدة؛ لاستثمار حالة الزخم المتولدة من ارتفاع شعبية “لوبان” في الانتخابات الرئاسية؛ خالف اليمين المتطرف بانقساماته العميقة كل التوقعات، ولم ينجح في الدخول في أي تحالف.

6– محاولات اليمين الوسطي للتعافي: حيث استمرت قوى اليمين الوسطي في محاولة استعادة قدر من زخمها السياسي في الانتخابات التشريعية. ونجحت الأحزاب اليمنية الوسطية في التجمع تحت راية واحدة جمعت كلاً من حزب الجمهوريين، وتجمع الديمقراطيين والمستقلين والوسطيين، لكنها لم تنجح إلا في تحقيق 11.3% في الجولة الأولى.

عوامل مؤثرة

ارتبطت نتائج الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية بعدد من العوامل الرئيسية المتمثلة فيما يأتي:

1– عدم استفادة حزب الرئيس من تصويت اليسار التلقائي: في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، استفاد الرئيس “ماكرون” من التصويت التلقائي لناخبي اليسار الذين احتشدوا ضد وصول مرشحة اليمين المتطرف إلى كرسي الرئاسة. أما في الانتخابات التشريعية الحالية فقد اختلف الوضع، في ظل توحد اليسار تحت راية واحدة، وهو ما حدا مؤيديه إلى التصويت وبقوة لتكتلهم المُفضَّل. هذا وإن كان هذا الاحتشاد اليساري قد نتج عنه نتائج إيجابية في الجولة الأولى، فإنه يعتقد عدم امتلاكه مخزوناً إضافياً من الأصوات يسعفه في الفوز بالأغلبية – نسبية كانت أو مطلقة – في الجولة الثانية.

2– انخفاض عدد المرشحين في كل دائرة انتخابية مقارنة بانتخابات 2017: في الانتخابات التشريعية الحالية، بلغ عدد المرشحين عن كل دائرة انتخابية نحو 11 مرشحاً مقارنةً بـ14 مرشحاً في انتخابات 2017؛ ما ساهم في تقليص ظاهرة تفتت الأصوات، ونجاح التكتلين الرئيسيين في جذب أكبر عدد ممكن من الأصوات المؤيدة داخل كل دائرة. هذا ومن المتوقع أن تستمر ظاهرة تفتت الأصوات في التقلص خلال الجولة الثانية، مع توقع ارتفاع نسب الامتناع بين الناخبين الأشد تمسكاً بتوجهات سياسية معينة، الذين لم يُوفَّق مرشحوهم في التأهل للجولة الثانية.

3– وجود مساحة لليمين الوسطي للظهور: من عوامل توزيع الأصوات في الجولة الأولى بالصورة المُشار إليها سابقاً، وجود مساحة معقولة لتيار اليمين الوسطي – رغم تراجعه – للظهور والفوز بعدد معقول من المقاعد في البرلمان، بحيث تمكنه من تكوين تكتل مؤثر في البرلمان تسعى القوى السياسية الأخرى إلى استقطابه عند اعتماد القوانين بأغلبية الثلثين؛ لذلك فإن من المتصور أن يحل تكتل اليمين الوسطي في المركز الرابع محققاً نتائج أفضل؛ وذلك بعد حصول بيكراس – مرشحته للرئاسة – على 4.5% فقط من الأصوات في الانتخابات الرئاسية.

ويمكن إرجاع هذه المساحة إلى تقلص أهمية ظاهرة “التصويت النافع” التي اتبعها بعض الناخبين في الانتخابات الرئاسية؛ حين فضَّلوا التصويت لمرشحين آخرين من خارج تياراتهم الأصلية، نظراً إلى اعتقادهم بأن مرشحي تياراتهم لن تكون لديهم فرصة في الفوز على المستوى الوطني. أما في حالة الانتخابات البرلمانية، فإن توازنات القوى السياسية داخل الدائرة الواحدة قد تختلف جذرياً عن توازنات القوى على المستوى الوطني.

4– استمرار التوجهات الانتخابية للفئات العمرية والاجتماعية: من العوامل التي ساهمت في خروج النتائج على هذا النحو، استمرار تصويت الفئات العمرية والاجتماعية بنمط التصويت الذي اعتادوه في الانتخابات الرئاسية خلال الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية؛ فنسبة كبيرة من الشباب قد صوَّتت لصالح تكتل اليسار (42% من سن 18–24، و38% من سن 25–34)، بينما حظي تكتل “معاً” على تأييد نحو 40% من أصوات من هم فوق 35 سنة، وهي اتجاهات مشابهة لنمط التصويت العمري خلال الانتخابات الرئاسية.

كذلك حصل حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف على 45% من أصوات العمال، بينما حصل تكتل اليسار على 31% من أصوات الموظفين، في حين صوَّت 35% من أصحاب المعاشات، و41% من أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة لتكتل الأغلبية الرئاسي. وأخيراً بالنسبة إلى مستويات الدخول، فقد صوَّت الأكثر غنى إما لصالح تكتل “معاً” بنسبة 33%، أو تكتل اليمين الوسطي بنسبة 22%، في حين صوتت الفئات الأكثر فقراً لليمين المتطرف بنسبة 31%، وتكتل اليسار بنسبة 29%. هذه الاستمرارية في الكتلة الاجتماعية الصلبة لأنماط التصويت ساهمت إلى حد كبير في الخروج بالنتائج المُشار إليها.

الخلاصة: رغم عقد الانتخابات التشريعية بعد نحو شهرين من الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها “ماكرون” بفترة رئاسة ثانية، فإن المشهد السياسي قد شهد تغيرات جذرية ساهمت في تحويل الدفة لصالح تيار اليسار، وهي التغيرات التي كانت مؤشراتها تتنامى قبيل الانتخابات الرئاسية، إلا أنه يبقى عامل حاسم آخر في تحديد توزيع المقاعد في البرلمان، وهو السلوك التصويتي لمؤيدي تكتل “معاً” في الدوائر التي نجح فيها مرشح يساري ومرشح يميني متطرف في الوصول إلى الجولة الثانية، وهي 61 دائرة انتخابية؛ حيث قد يتجهون إلى اتباع نمط تصويتي غير متناسق – أي كلٌّ حسب تفضيلاته دون الالتفات إلى النتائج الكلية – ما قد يؤدي إلى فقدانهم الأغلبية المطلقة في البرلمان.


https://www.interregional.com/%d9%86%d8%b8%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d9%8a%d8%b4/