“نظرية الضرورة”:

هل تتجه تونس نحو انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة؟
“نظرية الضرورة”:
24 أبريل، 2021

لا يلوح في الأفق مخرج من الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد التونسية والتي تتمثل في القطيعة شبه التامة بين الرؤساء الثلاثة، وتعطُّل مسار تكوين المحكمة الدستورية واستكمال التشكيل الحكومي.. أزمة ما فتئت تُراوِح مكانها رغم حدوث لقاءات نادرة بين الرئاسات، لكنها بدلًا من أن تفتح هذه اللقاءات مسار تقارب بينها، أتت لتؤكد حالة التنافر، علاوة على تدخل أطراف سياسية واجتماعية للدفع نحو حوار وطني يقبل به الجميع من حيث المبدأ، ثم يختلفون حول الأطراف المشاركة فيه، ومضامينه وآلياته.
أزمة تبدو ذات طابع دستوري، باعتبار أنها نابعة من طبيعة النظام السياسي حسب دستور 2014، الذي ينص على إقامة نظام برلماني معدل، لكن في حقيقتها تتمثل في بحث الأطراف عن حلول جدية لا عن حلول التوافقية، واعتماد استراتيجية إخضاع الآخر بناءً على قراءات انتقائية لنصوص الدستور.
لقد سادت في التجربةَ الدستورية بين 2015 و2019 أجواءٌ توافقية مقبولة ولو في حدها الأدنى. وكان ذلك نتيجة تولي الحزب الحاكم (نداء تونس) المناصب الثلاثة الهامة في الدولة. ورغم ذلك قَبِلَ الجميع بهذه السيطرة التي نتجت عن حوار وطني أدَّى في مرحلة أولى إلى إخراج حزب النهضة من السلطة، ثم تقاسُمها معها في مرحلة لاحقة.. وضع سياسي نتج عن انتخابات تشريعية ورئاسية أفرزت مشهدًا اختلف عما آلت اليه نتائج الانتخابات التأسيسية لسنة 2011؛ فالمرحلة التي قادها الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي أثبتت أن المشكلة لا تكمن في النظام السياسي بقدر ما هي إجرائية أكثر من كونها بنيوية.. وذلك حين وجدت توازنات سياسية جديدة انتهت بانتخابات 2019 البرلمانية والرئاسية.
اليوم تغير المشهد السياسي والحزبي، واختلفت التحالفات، وانتفت التوازنات، وتغيرت الشخصيات وانتماءاتها وتطلعاتها ورؤاها السياسية، وظهرت بوادر نزعات تصادمية وسلطوية زادت حدة التوترات، وعطَّلت عمل بعض المؤسسات، فكان لا بد من مخرج دستوري لأزمة تدفع البلاد أثمانها السياسية والاقتصادية والأمنية.
هذا المأزق السياسي قد يدفع إلى التفكير نحو حل دستوري يتمثل في انتخابات سابقة لأوانها، وهو خيار تهدد باللجوء إليه الكثير من الأطراف؛ وذلك بعد فشل محاولات الإطاحة برئيس البرلمان، أو دفع الرئيس نحو الاستفادة من بعض بنود الدستور التي تسمح له بحل مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية.. كل هذا صاحبَ دعوات تفعيل مبادرة الحوار الوطني التي تقدمت بها المركزية العمالية لرئيس الجمهورية، التي كان الرئيس قيس سعيّد أول من أفشلها حتى الآن على الأقل.
وتأتي كل هذه المبادرات على خلفية حدوث تحول ملحوظ في المشهد الانتخابي، حسَب ما تشير إليه استطلاعات الرأي، لكن هذه الأخيرة لا تعطي مؤشرات حاسمة. وأي انتخابات في الأوضاع الحالية قد تعيد مشهدًا مشابهًا من حيث عدم إفراز أغلبية برلمانية قادرة على حسم مسار تشكيل الحكومة، كما أنها لا تفيد في تغيير واضح على مستوى شعبية المرشحين للرئاسة؛ ما يحتاج إلى تحالفات لا تبدو الآن ناضجة وقادرة على ضمان تغيير حقيقي في المشهد العام؛ لذلك يبدو الوضع الراهن غير مناسب لأغلب الأطراف المشارِكة في الأزمة الحالية؛ فالرئيس قيس سعيد قد لا ينجح في انتخابات رئاسية قادمة، نظرًا إلى انفراط الحزام الشعبي الذي اعتمده في انتخابات 2019، كما أن الحزام الحزبي الذي يعتمده اليوم في البرلمان ضعيف التمثيل، وقد يتراجع عدد نوابه في حال وقوع انتخابات قريبة.
لقد تراجعت شعبية الرئيس بقدر ملحوظ، لكن لم تبرز بعدُ شخصيات ذات كاريزما قادرة على تجميع أطياف سياسية مختلفة يمكن أن تكون البديل له.. هذه الشخصية السياسية يمكنها قيادة المرحلة المقبلة وأن تتزعم تيارًا إصلاحيًّا يُدخِل تعديلات على النظام الحالي في إطار الشرعية الدستورية، وفي ظل توازنات مواتية.. هذا أمر قد يحدث في الأشهر القادمة.
إن تنظيم انتخابات مبكرة يتطلب التوافق حول آلية محددة لمسار انتخابي يأتي بدعوة من الرئاسة وموافَقة الأطراف الفاعلة، وتنفذه الحكومة، أو يأتي تتويجًا لحوار وطني تُشارِكُ فيه أغلب الأطراف السياسية والاجتماعية والاقتصادية وتلتزم به الحكومة والبرلمان والرئاسة. وهذا الخيار هو الأقرب إذا توافرت له ظروف داعمة. لكن في الوقت الحالي، فإن شروط الحوار الوطني غير متوافرة، والمسار لم ينضج بعد.
ويبقى من بين الشروط الأساسية لنجاح أي انتخابات مقبلة، تغيير القانون الانتخابي الحالي تغييرًا يُمكِّن الانتخابات التشريعية من إفراز أغلبية قادرة على تشكيل الحكومة دون اللجوء إلى تحالفات، وهذا ما يبدو أنه سيكون المعركة المقبلة تحت قبة البرلمان بعد إقرار التعديلات التي أدخلت على قانون المحكمة الدستورية. وفي انتظار ذلك، قد ينجح رئيس الحكومة، بالتعاون مع البرلمان، في اعتماد “نظرية الضرورة” لإدارة المرحلة المقبلة، بصفته الرئيس الأول للسلطة التنفيذية.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b6%d8%b1%d9%88%d8%b1%d8%a9/