نقص الغذاء:

كيف تنامت أزمة الجوع على مستوى العالم؟
نقص الغذاء:
4 أغسطس، 2022

للقراءة بصيغة PDFHTML tutorial


تتشعب أزمة الجوع عالمياً بتشعب العوامل المؤدية إليها والمحركة لها، ومع زيادة أعداد الجوعى يصبح من الواجب على المجتمع الدولي رفع مستوى التأهب للتعامل الصحيح مع الأزمة وإنقاذ حياة الملايين من البشر؛ فبحسب التقرير السنوي الصادر عن الأمم المتحدة، في عام 2021، فإن عدد الذين يعانون من نقص التغذية، قد ارتفع ليصل إلى 828 مليوناً في العام الماضي، وهي الزيادة التي ظهرت نتيجة التعافي غير المتكافئ من تبعات كوفيد-19، الذي أسفر عن ارتفاع تكاليف السلع الأساسية وساهم في تعميق أزمة الغذاء لدى الكثيرين حول العالم، ليصبح نحو عُشر العالم بصدد أزمة جوع ضارية وغير مسبوقة، ساهم في تفاقمها تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية منذ فبراير من العام الجاري، بيد أن تلك الأزمة ليست وليدة التغيرات التي شهدها العالم خلال العامين الماضيين فحسب، بل يتشارك العبء عوامل أخرى عديدة يأتي على رأسها تداعيات تغير المناخ وانتشار النزاعات وما ينجم عنها من صراع على الموارد.

مؤشرات الأزمة

جاء إعلان الرئيس الصومالي “حسن شيخ محمود”، يوم 30 يوليو 2022، عن أن بلاده تمر رسمياً بمجاعة، ودعوته إلى استجابة محلية ودولية سريعة، ليدلل على طبيعة التحدي الذي باتت تواجهه الدول؛ إذ تزايدت المؤشرات التي تؤكد حقيقة أن العالم بصدد أزمة جوع، من المتوقع أن تتفاقم ما لم توجد الحلول المناسبة لمكافحتها، وهي كالآتي:

1- ارتفاع معدلات الفقر عالمياً: خلالالعامين الماضيين، شهدت البلدان الفقيرة حول العالم معدلات فقر غير مسبوقة، بفعل جائحة كوفيد-19، وما تسببت فيه من انتكاسة في الجهود الدولية للحد من الفقر، وهو ما فاقمه ارتفاع مستويات التضخم وتبعات الحرب الروسية الأوكرانية. ومع التقاء تلك العوامل، فإن من المتوقع، وفق تقديرات البنك الدولي، أن يتراوح عدد الفقراء بين 75 مليوناً و95 مليوناً بنهاية العام الجاري 2022.

2- تزايد عدد الذين يتلقون المساعدات: أعلن برنامج الأمن الغذائي أن نحو 2.8 مليون شخص متضرر سيجري مساعدتهم خلال عام 2022، منهم 1.8 مليون شخص سيتلقون مساعدات غذائية طارئة. تأتي تلك الأرقام متماشية مع التوقعات بأن يتم تقديم الدعم لنحو مليون و684 ألفاً و507 شخص في نحو 37 منطقة و156 ألفاً و560 شخص في نحو 5 مناطق؛ ما يجعل مجموع من هم بحاجة إلى دعم طارئ نحو مليون و841 ألفاً و67؛ وذلك من أجل تجنب الوقوع في المرحلة الحرجة وهي الجوع الحاد.

3- الانتشار الجغرافي للجوع عالمياً: تعد أفريقيا هي القارة الأسوأ عالمياً من حيث نسب الجوعى؛ إذ يعاني أكثر من 20% من سكانها من مخاطر الجوع، تليها آسيا وأمريكا اللاتينية؛ حيث تقترب نسبة الجوع في كل منهما من 9%.  فيما تظل مستويات الجوع وانعدام الأمن الغذائي في أمريكا الشمالية وأوروبا أقل من 2.5% في السنوات الأخيرة. ولعل ذلك يرجع بدرجة كبيرة إلى الشلل الذي أصيب به القرن الأفريقي بفعل الجفاف بعد أربعة مواسم مطيرة متتالية؛ ما أدى إلى تعرض 18.4 مليون شخص لانعدام أمن غذائي حاد، وهو ما يثير مخاوف من تكرار ما حدث عام 2011، عندما أدى عدم التدخل إلى حدوث مجاعة في الصومال أودت بحياة 260 ألف شخص، كان نصفهم من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 5 سنوات.

4- ارتفاع أعداد الأطفال المتضررين عالمياً: يقف العالم أمام أسوأ أزمة غذاء عالمية منذ عقود، تهدد حياة الملايين من الأطفال، بفعل الأزمات الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية والمناخية؛ ففي الصومال على سبيل المثال، تذهب التقارير للإشارة إلى الأعداد المتزايدة للأطفال الذين يعانون من سوء تغذية حاد، التي من المتوقع أن تصل إلى 1.5 مليون بحلول نهاية العام الجاري. وفي إطار الاستجابة لذلك، أعلنت منظمة إنقاذ الطفولة، عن تخصيص نحو 28.5 مليون دولار لصالح 19 دولة، لمواجهة حالات طوارئ الجوع الملحة، وهو ما يمثل أكبر صرف نقدي على الإطلاق من صندوقها الإنساني.

وبحسب مثوليسي دوبيMthulisi Dube المختص بالتغذية الذي يعمل مع وحدة الطوارئ الصحية التابعة لمنظمة إنقاذ الطفولة في توركانا بشمال كينيا، فإن ما لا يقل عن 229 ألف طفل في جميع أنحاء شمال كينيا يعانون من سوء التغذية الحاد، بما يعرض حياتهم للخطر، فيما تُظهر أحدث الأرقام في أفغانستان، أن نحو 9.6 مليون طفل يعانون من الجوع يومياً.

عوامل رئيسية

 ساهمت عوامل عدة في تفاقم أزمة الجوع عالمياً، لتشكل بذلك تراكمات لأزمة ممتدة على مدار عقود. وفيما يأتي نظرة على أهم تلك العوامل:

1- عدم المساواة بين الجنسين: إنمن بين 828 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي في العالم في الوقت الراهن، ما يقرب من 60% منهم من النساء والفتيات، فيما تعاني نحو 31.9% من إجمالي النساء في العالم من انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد، وهي بذلك تزيد عن الرجال الذين يقدر نسبة الجوعى منهم نحو 27.6%. وهو الأمر الذي يمكن إرجاعه إلى المعاملة غير المتكافئة بين الجنسين والفجوة بينهما في العمل والتعليم والرواتب؛ ما يوقع النساء في دائرة من الحرمان والفقر والجوع. علاوة على ذلك، تتحمل الفتيات والنساء في البلدان الفقيرة، العبء الأكبر من أزمة الجوع، وسط تزايد مخاطر العنف الجنسي والعنف القائم على النوع، لا سيما أثناء توزيع الغذاء؛ ما يجعلهن أكثر عرضة لخطر عمالة الأطفال والمراهقين في سن مبكرة والزواج القسري والاستغلال الجنسي.

2- دور تغير المناخ في الإضرار بالمحاصيل: يساهم التغير الجذري في أنماط الطقس في تعميق أزمة الجوع عالمياً؛ ففي مناطق كجنوب السودان، أدت الفيضانات الكاسحة للسنة الثالثة على التوالي إلى تدمير المحاصيل؛ ما ترك ما يقدر بنحو 63% من السكان يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد.

ووفق وكالات الأمم المتحدة، فإن شدة تطرف الطقس من أقصى اليمين حيث الفيضانات إلى أقصى اليسار حيث الجفاف الشديد، خاصة في البلدان الفقيرة، يساهم في تصاعد تهديدات الإمدادات الغذائية، ومن ثم تتفاقم أزمة الجوع على مستوى العالم؛ ففي المغرب على سبيل المثال، أصاب الجفاف خلال العام الجاري، محاصيل القمح، وبالمثل حقول الذرة في زيمبابوي. وفي ظل مخاطر الركود المحدقة بالحكومات، أصبح من الصعب عليها توسيع الدعم للأسر الفقيرة.

علاوة على ذلك، يواجه المزارعون أصحاب الحيازات الصغيرة مشاكل جمة في الحفاظ على مساحاتهم المزروعة بسبب تغير المناخ، خاصة أنهم لم يعودوا قادرين على تحمل تكاليف مدخلات إضافية للإنتاج، في حال تعرض محاصيلهم للتلف؛ ما يعرض حياة الملايين للخطر.

3- انتشار الصراعات والنزاعات حول العالم: تلعب الصراعات دوراً كبيراً في تفاقم أزمة الجوع في مناطق وبلدان النزاع؛ حيث يفقد أكثرية السكان وظائفهم بمجرد اندلاع الصراع، وربما يتعرضون للتهجير من أراضيهم، لتصبح السلع الأساسية أكثر تكلفة؛ ما يضطر بعض المواطنين إلى بيع أصولهم كي يتمكنوا من شراء ما يحتاجونه من غذاء، ومع انتهاء ما لديهم نقود، يصبحون في مواجهة الجوع من جديد. ومن الناحية اللوجستية، يعتبر توزيع الغذاء في حالات الطوارئ أكثر صعوبة في حالات النزاع.

وبحسب “محمد باه” Mohamed Bah، المدير القُطري في النيجر لمنظمة Plan International، فإن استهلاك الغذاء في النيجر قد تدهور بالفعل في جميع المناطق تقريباً، وتم تجاوز عتبات الطوارئ التي وضعتها منظمة الصحة العالمية لسوء التغذية الحاد، ومن المتوقع أن يعاني 9.7 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي في كل من بوركينا فاسو ومالي والنيجر، مع استمرار النزاع المسلح في الاتساع. وتتجلى هذه الأزمة أيضاً في حالة بوركينا فاسو، فإن هجمات الجماعات المسلحة على المدنيين، من أجل نهب المحاصيل وتدميرها وسرقة الماشية والابتزاز الممارس في تجميع الأموال من السكان المحليين، تساهم بدرجة كبيرة في تجويع مئات الآلاف من العائلات، فضلاً عن تضرر الأسواق في تلك المناطق، حتى لا تصبح غير قادرة على العمل أو العمل بوتيرة أبطأ.

4- التبعات السلبية لجائحة كوفيد 19: أدت التكلفة المرتفعة للغذاء الناتجة عن تفشي كوفيد-١٩ وتعطل سلاسل الإمداد التي ارتبطت بعمليات الإغلاق عالمياً بغية احتواء الوباء؛ إلى صعوبة شراء السلع الأساسية في ظل ارتفاع أسعارها وصعوبة الوصول إليها في الوقت ذاته. ورغم التعافي التدريجي من تبعات الجائحة الذي شهده العالم خلال العام الماضي، فإن بعض المناطق والدول الفقيرة ظلت تعاني من الجوع وانعدام الأمن الغذائي. ومن المتوقع وفق تقرير الأمم المتحدة الصادر يوم 6 يوليو 2022، أن يظل نحو 670 مليون شخص، يعانون من نقص التغذية بحلول عام 2030، رغم الانتعاش الاقتصادي الذي من المتوقع أن يشهده العالم خلال السنوات القادمة.

5- تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية: رغم استقرار أسعار المواد الغذائية في الأشهر الأخيرة، فإنها لاتزال أعلى بكثير مما كانت عليه في عام 2021؛ إذ ساهمت الحرب الروسية الأوكرانية في تضخم أسعار الغذاء العالمية –وخاصة أسعار الحبوب كالقمح –، حيث أدت القيود المفروضة على الصادرات في العديد من البلدان إلى تفاقم الزيادات العالمية في أسعار المواد الغذائية. وهو ما يبدو جلياً، مع ارتفاع المؤشر الشهري لأسعار الغذاء الصادر عن الأمم المتحدة إلى مستوى قياسي بعد وقت قصير من بدء الحرب في أوكرانيا وهو أعلى بنسبة 73% عما كان عليه قبل عامين.

فقد عطلت الحرب إنتاج المحاصيل والتجارة في أوكرانيا التي تعد واحدة من أكبر مصدري الحبوب والزيوت النباتية، وشلت مبيعاتها في الخارج، وحتى الوقت الحالي، تعاني البلدان المنخفضة الدخل التي كان يعاني سكانها فعلياً من سوء التغذية الحاد وزيادة أعداد الوفيات، لا سيما في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، من نقص الغذاء وانعدام الأمن الغذائي.

6- تقلص تمويل البرامج الغذائية: أدىارتفاع تكلفة سد الاحتياجات الغذائية للملايين حول العالم، في ظل نقص التمويل، إلى اضطرار وكالات الإغاثة، كبرنامج الأغذية العالمي إلى كبح المساعدات، ووفق ما أعلن عنه برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في يوم 20 يونيو 2022، فإنه سيضطر إلى إجراء المزيد من التخفيضات على الحصص الغذائية المقدمة للاجئين في القريب العاجل؛ وذلك نتيجة لتضاعف الاحتياجات الإنسانية حول العالم والتمويل غير الكافي، الذي أجبر البرنامج فعلياً على إجراء تخفيضات كبيرة على الوجبات اليومية المقدمة للجوعى في منطقة الساحل وأماكن أخرى.

تحرك جماعي

إجمالاً.. يواجه العالم أزمة جوع تهدد حياة الملايين من البشر في الوقت الراهن، بما يجعل من ضرورة تحرك الحكومات وصانعي القرار والمنظمات الدولية واجباً إنسانياً وضرورة حتمية، في ظل تفاقم الأزمة الإنسانية الحالية. وفي ذلك الإطار، يسعى البنك الدولي إلى اتخاذ خطوات جدية كجزء من استجابة عالمية شاملة لأزمة الأمن الغذائي المستمرة، في صورة مشاريع في مجالات الزراعة والتغذية والحماية الاجتماعية والمياه والري تقدر بنحو 30 مليار دولار، بحسب ما صرح به البنك الدولي في 18 مايو 2022. كما سيتضمن ذلك جهوداً لتشجيع إنتاج الأغذية والأسمدة وتقديم الدعم للأسر ذات المستوى المعيشي المتدني. أضف إلى ذلك، عقد التحالف العالمي للأمن الغذائي بالتشارك مع مجموعة البنك الدولي ورئاسة مجموعة الدول السبع في 19 مايو 2022، الذي استُهدف من خلاله التحفيز نحو استجابة فورية لأزمة الجوع العالمية المتنامية.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%86%d9%82%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b0%d8%a7%d8%a1/