نقطة اللا عودة:

هل تُصنِّف الولايات المتحدة روسيا دولة راعية للإرهاب؟
نقطة اللا عودة:
22 أغسطس، 2022

تتزايد الضغوط على إدارة الرئيس “جو بايدن” لتصنيف روسيا دولة راعية للإرهاب؛ حيث ناشد الرئيس الأوكراني “فلوديمير زيلينسكي” هذا الأمر في ظل تعدد الصواريخ الروسية التي استهدفت أهدافاً مدنية أوكرانية. كما وافق مجلس الشيوخ الأمريكي على قرار تبناه كل من النائب الجمهوري عن ولاية ساوث كارولاينا “جو ويلسون”، ونائب كاليفورنيا الديمقراطي “تيد لي”، يُطالب وزارة الخارجية الأمريكية بذلك أيضاً، على خلفية السياسات الروسية في أوكرانيا والشيشان وجورجيا وسوريا. كما دعا زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ السيناتور “ميتش ماكونيل” الرئيس “بايدن” إلى إقرار هذا التصنيف، جنباً إلى جنب مع عدد من المشرعين الديمقراطيين والجمهوريين، وهو ما أقدمت عليه دولة لاتفيا بالفعل بعد موافقة برلمانها.

توتُّر متزايد

من شأن التصنيف الأمريكي المحتمل لروسيا دولةً راعيةً للإرهاب أن يُسفر عن جملة من التداعيات المتوقعة، يمكن إجمالها على النحو الآتي:

1- إمكانية قطع العلاقات الروسية الأمريكية: أكد مدير إدارة أمريكا الشمالية بوزارة الخارجية الروسية “ألكسندر دارشييف” أن إقرار مجلس الشيوخ قانوناً يصنف روسيا دولة راعية للإرهاب يعني تجاوز واشنطن نقطة “اللا عودة”، وسيتسبب في أخطر الأضرار الجانبية للعلاقات الدبلوماسية الثنائية بين البلدين، التي قد تصل إلى درجة خفض تلك العلاقات بل قطعها. ولذا، تعددت الأصوات الأمريكية والروسية التي تُحذر الولايات المتحدة من تبعات ذلك التصنيف المحتمل، ولا سيما أن الرد الروسي المحتمل سيعني القضاء على ما تبقى من العلاقات التجارية والاقتصادية المتوترة بالفعل في ظل مقتل مئات الجنود الروس بسبب استخدام الأسلحة الأمريكية في أوكرانيا.

2- فرض مزيد من العقوبات الأمريكية ضد موسكو: من شأن تصنيف روسيا دولة راعية للإرهاب أن يُمكِّن الولايات المتحدة من حظر الصادرات ذات الاستخدام المزدوج إلى روسيا، واتخاذ إجراءات اقتصادية ضد الدول التي تتعامل معها، بل الحجز على الممتلكات الروسية في الولايات المتحدة والدول الحليفة لها. ولن تكون روسيا محصنة ضد الدعاوى التي قد تُرفع في بلدان مارست فيها أعمالاً إرهابية بصرف النظر عن توقيت ارتكابها، مثل جورجيا، وليبيا، وسوريا، والسودان، وأوكرانيا. وقد يتمكن الضحايا الأمريكيون من الاستيلاء على الأصول الروسية المجمدة لتعويضهم.

3- تشجيع دول أخرى على اتخاذ قرار مماثل: قد يسفر التعويض المحتمل للضحايا الأمريكيين من جراء مصادرة الأصول الروسية المجمدة عن اتخاذ قرار مماثل من قبل البلدان الأخرى إن لم يكن بتصنيف روسيا دولة راعية للإرهاب، فسيكون بتعويض مواطنيها من الأصول الروسية المجمدة على أقل تقدير. وقد تتجه الدول الأخرى أيضاً إلى فرض ضوابط على تصدير المواد ذات الاستخدامات المدنية والعسكرية إلى روسيا أو تقييد الوصول إلى الإعفاء من الديون والتمويل الدولي، وهو ما قد يسفر عن اضطراب سلاسل الإمداد عالمياً، بل تفاقم أزمة الطاقة لينذر بمزيد من التردي للأوضاع الاقتصادية الدولية.

4- انعكاسات سلبية على الأوضاع في أوكرانيا: يضغط أعضاء الكونجرس لتصنيف روسيا دولة راعية للإرهاب باعتبار ذلك إجراءً عقابياً يهدف إلى عزلها دولياً ومعاقبتها على حربها ضد أوكرانيا، بيد أنه من المتوقع أن يرتب ذلك، في حال إقراره، نتائج عكسية، كتضييق مساحة الحوار الدبلوماسي، وتقويض محادثات السلام، وإطالة أمد الحرب الروسية–الأوكرانية، وتقويض الجهود الدولية الرامية إلى التخفيف من تفاقم الأوضاع الإنسانية المتردية في أوكرانيا.

رفض أمريكي

من غير المرجح أن تقدم الإدارة الأمريكية على تصنيف روسيا دولة راعية للإرهاب بالنظر إلى عدد من المؤشرات التي يمكن إجمالها في النقاط الآتية:

1- تجنب الإدارة الأمريكية التصعيد غير المحسوب: تتقيد الإدارة الأمريكية في تحركاتها تجاه الحرب الروسية-الأوكرانية بجملة من الخطوط الحمراء، مثل تزويد أوكرانيا بكميات كبيرة من الأسلحة والذخائر التي تمكنها من توجيه ضربات للأراضي التي تُسيطر عليها موسكو انطلاقاً من الأراضي الخاضعة لسيطرة كييف. ومؤخراً، نفت وزارة الدفاع الأمريكية استخدام أي أسلحة أمريكية في الهجوم المشتبه على قاعدة “ساكي” الجوية الروسية في شبه جزيرة القرم. وهو ما يعني – بالنظر إلى تلك المؤشرات وغيرها – أن سياسة “حافة الهاوية” ليست خياراً أمريكياً مطروحاً.

2- تراجع جدوى العقوبات الدولية على روسيا: تعددت العقوبات الأمريكية المفروضة على موسكو منذ بداية الحرب الروسية-الأوكرانية بهدف إجبارها على التراجع عن حربها العسكرية، بيد أن سلاح العقوبات هذا لم يحقق نتائجه المرجوة بعد، ومسألة تصنيفها دولة راعية للإرهاب سيفضي في الأساس إلى مزيد من العقوبات الدولية المشكوك في فاعليتها.

3- معارضة بعض الديمقراطيين هذا القرار: أكد “أنتوني بلينكن” أنه لا يحبذ تصنيف روسيا دولة راعية للإرهاب، وقد برر ذلك قائلاً: “إن التكاليف التي فرضناها على روسيا ومن قبل دول أخرى تتماشى تماماً مع العواقب التي ستنجم عن تصنيفها دولة راعية للإرهاب؛ لذا فإن الآثار العملية لما نقوم به هي نفسها”، وهو ما يعني تعدد الأصوات الديمقراطية التي تعارض مثل هذا القرار بالنظر إلى تداعياته المحتملة التي ستطال الولايات المتحدة وحلفاءها في المقام الأول.

4- مقاومة الرئيس “بايدن” ضغوط الكونجرس: تقاوم الإدارة الأمريكية ضغوط الكونجرس لاتخاذ هذا القرار بسبب صعوبات وعوائق سياسية وقانونية، بجانب تأثيره المحتمل على العلاقات الدبلوماسية القائمة بين الدولتين، بل تأثيره المحتمل أيضاً على علاقة حلفاء الولايات المتحدة بروسيا. ولا شك أن إدارة الحرب الروسية-الأوكرانية تقتضي قدراً من التواصل الدبلوماسي بين الدولتين وسط مخاوف من تصعيد دبلوماسي محتمل يقوض ذلك، لا سيما أن روسيا لا يمكن معاملتها على شاكلة الدول التي تصنفها الولايات المتحدة دولاً راعية للإرهاب مثل كوريا الشمالية، وإيران، وكوبا، وسوريا.

خيار مستبعد

ختاماً، تواجه الدول المصنفة باعتبارها دولاً راعية للإرهاب أشكالاً عدة من العقوبات الأمريكية، ومنها القيود المفروضة على المساعدات الخارجية، وحظر الصادرات والمبيعات الدفاعية، وقيود على صادرات المواد ذات الاستخدام المزدوج، وقيود مالية متنوعة. وعلى صعيد العلاقات الروسية-الأمريكية، يمكن القول إن الولايات المتحدة فرضت بالفعل أشكالاً عدة من تلك العقوبات دون أن تنجح في احتواء الحرب الروسية-الأوكرانية أو التخفيف من حدتها؛ لذا فإن من غير المرجح أن تتجه إدارة “بايدن” إلى إجراء يفضي إلى مزيد من العقوبات الأمريكية، لا سيما أنها ستواجه برد فعل روسي غير مسبوق.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%86%d9%82%d8%b7%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7-%d8%b9%d9%88%d8%af%d8%a9/