نهج جديد:

كيف أحدثت الحرب الأوكرانية تغييراً جذرياً في سياسات الحكومة الألمانية؟
نهج جديد:
16 أغسطس، 2022

عرض: د. إيمان عبد الحليم

كان للتدخل العسكري الروسي في أوكرانيا انعكاسات واسعة النطاق على معظم دول العالم، وفي القلب منها – بطبيعة الحال – الدول المعنية بالحرب، وتفاعلاتها بشكل مباشر. وكانت ألمانيا في قلب الدول التي تأثرت بالحرب على المستويات المختلفة، بالنظر إلى دورها القيادي في أوروبا؛ إذ اتبعت الحكومة الألمانية بقيادة المستشار “أولاف شولتز” سياسات الهدف منه الإبقاء على مكانة برلين القيادية، والتكيف مع الواقع الذي فرضته الحرب، وهو ما دفع الكثيرين إلى الاعتقاد بأن الحرب قدمت فرصاً غير مسبوقة لألمانيا، بجانب التحديات التي خلقتها، وتحديداً على صعيد السياسة الخارجية للدولة. وفي هذا الإطار، نشر موقع “إيكونوميست” تقريرين بعنوان “ألمانيا تواجه تغييراً جذرياً في العديد من الأبعاد دفعة واحدة”، و”ألمانيا تستيقظ بفضل فلاديمير بوتين”، في 11 أغسطس 2022. وأكد التقريران أن التدخل العسكري الروسي في أوكراني أحدث تغييرات جذرية في سياسات الحكومة الألمانية.

مسار مغاير

يمكن استعراض ملامح التغيير الجذري في سياسات الحكومة الألمانية نتيجة الحرب الأوكرانية، كما ورد في التقريرين، عبر ما يأتي:

1– تبني ألمانيا نهجاً جديداً فور التدخل الروسي مباشرةً: أوضح التقريران أن الأزمة التي أحدثها التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا في فبراير الماضي، تختلف في انعكاساتها على ألمانيا عن غيرها من الأزمات التي سبق أن تعرضت لها البلاد. ووفقاً للتقريرين، كان المستشار الألماني “أولاف شولتز”، الذي تولى المنصب خلفاً لـ”أنجيلا ميركل” في ديسمبر الماضي على رأس ائتلاف من الديمقراطيين الاجتماعيين والخضر والليبراليين، سريعاً في استيعاب تبعات هذا التغيير. ودلل التقريران على ذلك بإعلان “شولتز”، بعد ثلاثة أيام فقط من التدخل الروسي، عن نهج “التغيير لمواكبة روح العصر”، موضحاً أن ألمانيا ستعزز مقدرات جيشها، وستدعم أوكرانيا إلى أقصى حد، بالتوازي مع فرض العقوبات على روسيا؛ ما يعكس تحولاً في اعتماد برلين الواسع على موسكو للحصول على كميات هائلة من إمدادات الغاز.

2– دفع النهج الجديد برلين إلى الانحراف عن مساراتها القديمة: أشار التقريران إلى أن المواقف التي أعلنها المستشار الألماني فتحت نقاشاً أوسع نطاقاً حول حاجة ألمانيا إلى الانفصال عن مساراتها القديمة؛ لمواكبة التغيرات الحادثة على الصعيد الدولي، التي اتضحت مع التدخل الروسي في أوكرانيا. وبحسب التقريرين، شجَّع على هذا الانحراف الأداءُ الضعيفُ للديمقراطيين المسيحيين بقيادة “ميركل” في انتخابات العام الماضي. ولفت التقريران إلى أن هذا الأداء تسبَّب في امتعاض شعبي، فضلاً عن أن الحكومة الجديدة تُعَد الأصغر والأكثر تنوعاً في ألمانيا، وتتبنَّى أجندة قوية للإصلاح المحلي، سواء على الصعيد الاقتصادي، أو بالنسبة إلى تحسين أداء القوات المسلحة، أو إعادة هيكلة سياسات الطاقة.

3– إعادة تعريف ألمانيا دورَها الخارجي مع دعمها أوكرانيا: طبقاً للتقريرين، كانت أولى علامات انحراف المانيا عن مساراتها القديمة هو إعادة تعريف الدور الخارجي للدولة، مع ما قدمته ألمانيا من مساعدات عسكرية ومالية مهمة لأوكرانيا دعماً لها في مواجهتها الهجوم الروسي، وهو ما مثَّل تحولاً كبيراً لبلد رفض منذ عقود إرسال أسلحة إلى مناطق الحرب. يُضاف إلى ذلك، بحسب التقريرين، المساهمات الألمانية داخل الاتحاد الأوروبي التي سمحت لحلفاء “الناتو” بإرسال المزيد من الأسلحة إلى أوكرانيا، ودون إغفال استضافة ألمانيا ما يقرب من مليون لاجئ، كما تم تسجيل نحو 150 ألف طفل أوكراني الآن في المدارس الألمانية، دون أن يتعارض ذلك مع حقيقة وجود دول أخرى كانت أكثر نشاطاً في تقديم الدعم المالي لأوكرانيا، خصوصاً عند قياس مساهماتها باعتبارها حصةً من ناتجها المحلي الإجمالي.

4– تعهدات ألمانية أكثر جدية بزيادة نفقات الدفاع السنوية: نوه التقريران بأنه في سبيل الحفاظ على التأثير الألماني المطلوب، فإن ذلك لا ينفصل عن اهتمام ألمانيا بالوفاء بتعهداتها السابقة بزيادة نفقات الدفاع؛ حيث تعهد المستشار “شولتز” للحلفاء في “الناتو” بزيادة الإنفاق العسكري إلى نسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي. ولفت التقريران إلى أنه بعد أن فشلت ألمانيا في تحقيق هذا الهدف الذي دعمه الحلف منذ أكثر من عقد مضى، فإنها تعمل على تجاوز هذا الإخفاق باستخدام صندوق خاص بقيمة 100 مليار يورو (103 مليارات دولار) لزيادة الإنفاق على القوات المسلحة من 51 مليار يورو في ميزانية عام 2021 إلى 80 مليار يورو سنوياً.

5– هيكلة سياسات الطاقة لتقليل اعتماد برلين على روسيا: أكد التقريران أن حكومات “ميركل” السابقة تسبَّبت في وصول إسهامات روسيا من واردات الغاز الألمانية إلى 55%، وأضافا أن هذه الحكومات سمحت كذلك ببيع المصافي ومنشآت تخزين الغاز والبنية التحتية الحيوية الأخرى للشركات الروسية، وتغافلت عن بناء محطات لناقلات الغاز الطبيعي المسال القادمة من مُزوِّدين آخرين، فضلاً عن تخلُّصها التدريجي من الاعتماد على مصادر الطاقة النووية في استجابةٍ غير مدروسة لكارثة فوكوشيما.

وشدد التقريران على أن هذا الأمر وضع ألمانيا في موقف محرج ومأزق خطير؛ ليس فقط بسبب فرض العقوبات على روسيا، بل أيضاً لأن النهج الألماني السابق كان سبباً لجعل ألمانيا المساهم الأكبر في تمويل التدخل العسكري الروسي. وأوضح التقريران أن مدفوعات ألمانيا للحصول على الوقود الأحفوري وصلت إلى نحو 18 مليار يورو منذ بداية التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا في 24 فبراير الماضي، وفقاً لـ”مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف” ومقره هلسنكي. ووفقاً للتقريرين، فإنه مع ذلك ورغم الصعوبة المتوقعة لوقف اعتماد البلاد على موارد الطاقة الروسية بحلول صيف عام 2024، كما تأمل الحكومة؛ كان الأداء جيداً في تخفيض الاعتماد على هذه الواردات على نحو أسرع من المتوقع.

ودلل التقريران على ذلك بانخفاض كميات الغاز القادمة من روسيا إلى 26% فقط بحسب الحكومة الألمانية، مع التعرض لأضرار محدودة أقل من المتوقع في قطاع التصنيع بالبلاد. وأشار التقريران إلى أن هذا الأمر جاء بعد النجاح في إيجاد مصادر بديلة ومتنوعة لمصادر الطاقة، بالتوازي مع التحول المؤقت إلى الفحم لتوليد الكهرباء، الذي من شأنه أن يُمكِّن ألمانيا من اجتياز فصل الشتاء بأقل قدر من الاعتماد على الغاز الروسي. لكن إذا جاء الشتاء بارداً عن المتوقع، أو توقفت الإمدادات الروسية على نحو تام، فستكون هناك حاجة ألمانية – بحسب التقريرين – إلى اتخاذ المزيد من الإجراءات.

6– توقف نشاط معظم الشركات الألمانية العاملة بروسيا: حتى مع العقوبات التي فُرضت على روسيا بعد ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014، ظلَّت ألمانيا حتى بداية العام الجاري – طبقاً للتقريرين – أكبر مستثمر أجنبي في روسيا، مع وجود نحو 4000 شركة ألمانية نشطة هناك، غير أن غالبية هذه الشركات أوقفت أعمالها في روسيا، وسحبت موظفيها نتيجة التدخل العسكري في أوكرانيا، متجاوزةً بذلك حدود العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي؛ حيث راعت كذلك المخاوف بشأن السلامة، واحترمت توجهات الرأي العام، واتبعت النهج الإنساني الصحيح تجاه الأزمة الأوكرانية، رغم ما حمله هذا النهج من إضرار بالاستثمارات والشراكات والمبيعات الألمانية، وهو ما قوبل بشكاوى محدودة في الداخل.

7– تحولات سلبية في مواقف شركاء الحكم تجاه موسكو: نوه التقريران بأنه من أجل مواكبة المسارات الجديدة التي تنتهجها ألمانيا، كان هناك أيضاً مرونة ملحوظة في مواقف الأحزاب السياسية المُشارِكة في الحكومة، وخصوصاً حزب “الخضر” الذي طالما تبنى خطاً مسالماً. ودلل التقريران على ذلك بتصريحات لوزيرة الخارجية “أنالينا بربوك” – وهي واحدة من اثنين من قادة حزب “الخضر” في الحكومة – التي اعتبرت خلالها أن “الحرب الوحشية التي تقودها روسيا في أوكرانيا تمثل اعتداء على قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان”. وأيضاً لطالما ارتبط حزب “الديمقراطيين الاشتراكيين” برئاسة “شولتز” – وفقاً للتقريرين – بنهج يتسم بالهدوء تجاه روسيا، ومع ذلك انتقد الأمين العام للحزب “لارس كلينجبيل” روسيا بقوة بعد تدخلها في أوكرانيا.

استمرارية مطلوبة

وختاماً، أكد التقريران أن هناك حالة من الثقة بأن ألمانيا لن تتراجع مرة أخرى إلى نهجها القديم، وسط تنامي المؤشرات على نجاعة النهج الجديد المتبع من جانب الحكومة “التغيير لمواكبة روح العصر”. وشدد التقريران على أن الحكومة تعمل بكل جهد لتحقيق التغيير المطلوب في ظل التغيُّرات الدولية القائمة، وإن ظلت هناك بعض المحاذير من فتور الجهود الألمانية إذا انتهت التحديات الدافعة للتغيير.

ونوه التقريران بأنه حتى إن ظل موقف “شولتز” المتشدد ضد “بوتين” يحظى بقبول ودعم معظم الألمان، فإن هذا الدعم يتراجع، وتكلفة الحرب لم تؤثر بعدُ في فواتير التدفئة. ولفت التقريران إلى أنه إذا ما تخلت ألمانيا عن أوكرانيا، فستكون هذه مأساة للألمان وللأوكرانيين على السواء؛ فهذا صراع على مستقبل القارة الأوروبية، وفرصة أيضاً لألمانيا لاستعادة مكانتها في قلب أوروبا؛ ما يضاعف الحاجة إلى التزام ألمانيا بالتغيير المستمر وإن تراجعت حدة التحديات، وفق ما ذكر التقريران.

المصادر:

Germany is facing dramatic change in many dimensions all at once, The Economist, August 11, 2022, Accessible at: https://www.economist.com/briefing/2022/08/11/germany–is–facing–dramatic–change–in–many–dimensions–all–at–once

Thanks to Vladimir Putin, Germany has woken up, The Economist, August 11, 2022, Accessible at: https://www.economist.com/leaders/2022/08/11/thanks–to–vladimir–putin–germany–has–woken–up


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af/