هاجس التورط:

لماذا تحاول الولايات المتحدة التعتيم على دعمها الاستخباراتي لأوكرانيا؟
هاجس التورط:
11 مايو، 2022

سعت الإدارة الأمريكية مع استمرار العمليات العسكرية الروسية ضد أوكرانيا إلى تقديم كافة أشكال المساعدات الأمريكية لكييف، التي تضمنت أسلحة ثقيلة، ومساعدات إنسانية بقيمة عشرات المليارات من الدولارات، وكذلك المعلومات الاستخباراتية التي ساهمت في تحقيق الجنود الأوكرانيين العديد من المكاسب في أرض المعركة، واستهداف العديد من كبار المسؤولين العسكريين الروس منذ بداية العمليات العسكرية الروسية ضد أوكرانيا.

وعلى الرغم من ذلك، ينفي البيت الأبيض التقارير الإعلامية بشأن تقديم الولايات المتحدة معلومات استخباراتية لكييف؛ خشية اعتبار الرئيس الروسي ذلك تدخلاً أمريكياً؛ ما يدفعه إلى توسيع العمليات العسكرية ضد واشنطن ومصالحها، في الوقت الذي تفضل فيه إدارة الرئيس “جو بايدن” عدم التورط المباشر في الدفاع عن أوكرانيا؛ حيث أعلن أن الولايات المتحدة لن ترسل قوات أمريكية إلى الأراضي الأوكرانية، ولن تفرض منطقة حظر جوي فوق أوكرانيا.

مكاسب أوكرانية

ساهم الدعم الاستخباراتي الأمريكي لأوكرانيا في أن تحقق الأخيرة العديد من المكاسب في ساحات القتال، والتفوق على القوات الروسية، ومنع موسكو من تحقيق أهدافها. وتتمثل أبرز المكاسب الأوكرانية فيما يأتي:

1– استهداف الجنرالات الروس: أشارت تقارير إعلامية أمريكية إلى تقديم الولايات المتحدة معلومات استخباراتية للجنود الأوكرانيين، وهي المعلومات التي من خلالها استهدفوا العديد من الجنرالات الروس في أوكرانيا، الذين وصل عددهم إلى 12 جنرالاً في الخطوط الأمامية للجيش الروسي، وفقاً لمسؤولين أوكرانيين،فضلاً عن دورها في مساعدة كييف على إغراق الطراد “موسكفا” أحد أهم سفن الأسطول الروسي الموجودة في البحر الأسود جنوب أوديسا، خلال الشهر الماضي عبر استهدافه بصاروخين من طراز كروز.

وقد نفت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي هذا الأمر، واصفة تلك التقارير بأنها “غير دقيقة”، كما نفت وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” تقديم مساعدات أمريكية لأوكرانيا ساهمت في استهداف الجنرالات الروس، لكنها لم تنفِ تقديم المعلومات بشأن موقع “موسكفا”. وقد أفاد بعض المسؤولين الأمريكيين بأن أوكرانيا هي التي جمعت المعلومات المتعلقة بالسفينة الروسية، وقد أكدت الولايات المتحدة المعلومة فقط، بينما أفاد آخرون بأن واشنطن هي المسؤولة عن تلك المعلومات برُمَّتها.

2– التنبُّؤ بتحركات القوات الروسية: تتنبأ الولايات المتحدة بتحركات القوات الروسية التي يجري نقلها باستمرار من أجل تعزيز حمايتها، وفقاً لتقييماتها لخطة موسكو السرية للقتال في منطقة دونباس في شرق أوكرانيا، كما تعتمد الولايات المتحدة على الأقمار الصناعية التجارية والسرية لتتبع تنقلات القوات الروسية، لتقدم تلك المعلومات إلى أوكرانيا لاستغلالها في تحقيق تقدم أكبر في ساحات القتال، وهي جهود سرية تبذلها الإدارة الأمريكية.

3– تعزيز الدفاعات الأوكرانية: لم تبدأ الولايات المتحدة في تقديم المعلومات الاستخباراتية الأمريكية لأوكرانيا عقب العمليات العسكرية الروسية على أوكرانيا في 24 فبراير الفائت، بل قدمتها قبلها؛ فعلى سبيل المثال، قدمت الوكالات الاستخباراتية الأمريكية معلومات للأوكرانيين حول احتمالية تنفيذ موسكو هجوماً على مطار هوستوميل شمال كييف؛ ما ساعد أوكرانيا على تعزيز دفاعاتها، ففشلت القوات الروسية الجوية في السيطرة على المطار.

4– استغلال الثغرات الروسية: استغلت واشنطن وكييف الثغرات الروسية التي تسبب بها الجنرالات الروس؛ حيث حددت أماكنهم وتتبعتهم عندما استخدموا الهواتف الخلوية وأجهزة لا سلكية غير مؤمَّنة، وهو ما تم وصفه من جانب بعض الخبراء العسكريين الأمريكيين بأنه “خلل في الانضباط، ونقص في الخبرة، وغطرسة، وفشل في تقدير القدرات الأوكرانية”، واستخفاف بها، فضلاً عن مساهمة التسلسل الهرمي المركزي من أعلى إلى أسفل للقيادات الروسية في ترك ثغرات في التكتيكات العسكرية الروسية؛ حيث تقتصر سلطة اتخاذ القرارات وحل المشكلات اللوجستية والعملياتية على كبار الضباط فقط؛ الأمر الذي يختلف كلياً عن نظام القيادة اللا مركزي الأمريكي الذي يسمح لصغار الضباط باتخاذ القرارات الميدانية في ساحات القتال.

5– إضعاف واستنزاف روسيا: تسعى الولايات المتحدة إلى ترجيح موازين المعركة لصالح أوكرانيا؛ لمساعدتها على الفوز من جهة، ولكسر صورة موسكو باعتبارها قوة عسكرية كبرى على مستوى العالم، بجانب إطالة أمد الضغط على النظام الروسي لفترة أطول بدرجة قد تدفعه إلى إجراء تغييرات ديمقراطية داخلية تُرضي الدول الغربية، وتقلل أشكال الاستبداد الذي يمارسه النظام ضد معارضيه كما تؤمن واشنطن؛ حيث إن طول مدة الحرب سيُسهم في اضطراب الأوضاع الاقتصادية داخل روسيا؛ ما سيؤثر على الرأي العام الروسي ليجعله أقل تقبُّلاً لاستمرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على رأس السلطة؛ بسبب إقحامه بلاده في تلك الحرب منذ البداية.

دوافع النفي

سعت الولايات المتحدة إلى إحاطة المعلومات الاستخباراتية التي تمنحها لأوكرانيا خلال الحرب بالسرية، وهي المعلومات التي تضاعفت خلال شهر أبريل الماضي؛ وذلك مراعاةً لمجموعة من الاعتبارات المتمثلة في:

1– الخشية من توسيع نطاق الحرب في أوكرانيا: خشيت الولايات المتحدة أن تترجم روسيا ما تقوم به واشنطن لمساعدة أوكرانيا من تقديم المعلومات الاستخباراتية لها، بأنه تصعيد أمريكي ضد الكرملين، على اعتبار أن ذلك قد يدفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى توسيع نطاق الحرب الدائرة؛ ما سيكون له المزيد من التبعات السلبية على حلفاء واشنطن. لا سيما أن موسكو أعلنت عن إدراكها المساعدات الاستخباراتية التي يحصل عليها الجيش الأوكراني من حلفائه داخل حلف شمال الأطلسي “الناتو”، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وبريطانيا، وأشارت إلى أن ذلك لن يعوقها عن إنجاح مخططها العسكري بأوكرانيا.

وينسجم ذلك مع تأكيدات الاستخبارات الأمريكية الأخيرة عن احتمال استمرار التصعيد الروسي في أوكرانيا في الفترة المقبلة؛ حيث أشارت مديرة أجهزة الاستخبارات الأمريكية أفريل هينز، أمام جلسة استماع في مجلس الشيوخ يوم 10 مايو الجاري، إلى “زيادة احتمال لجوء بوتين إلى وسائل أكثر حدة، بما يشمل فرض أحكام عرفية، وإعادة توجيه الإنتاج الصناعي، أو خيارات عسكرية يُحتمل أن تكون تصعيدية للحصول على الموارد التي يحتاجها لتحقيق أهدافه في أوكرانيا”. وتابعت قائلةً: “تفيد تقييماتنا بأن بوتين يُعِد لنزاع مطول في أوكرانيا ينوي من خلاله تحقيق أهداف تتجاوز دونباس”. ونوهت بأنه عازم على “إقامة جسر بري إلى منطقة ترانسنيستريا” المولدوفية الانفصالية.

2– فتح مجالات للحوار مع موسكو مستقبلاً: يمكن للولايات المتحدة أن تنفي مسألة تقديم المعلومات الاستخباراتية لأوكرانيا مستقبلاً؛ لذلك تسعى إلى الإبقاء على هذا الأمر طي الكتمان إلى أطول فترة ممكنة، بحيث تكون هناك مساحة تسمح لها بالتفاوض مع موسكو مستقبلاً إذا كانت هناك رغبة في إنهاء الحرب، والاتفاق على شكل جديد من العلاقات، فضلاً عن أن الإدارة الأمريكية لا ترغب في الاصطدام بروسيا مباشرةً.

ازدواج المعايير

وختاماً، لا يمكن ترجيح الكفة التي ستميل إليها الحرب في نهاية المطاف، نظراً إلى صعوبة التنبُّؤ بالسلوك الذي سيتبنَّاه القادة، ولكن يمكن القول إن الولايات المتحدة تكيل بمكيالين عند تقييم الأمور المتعلقة بساحات القتال، لا سيَّما أنها سبق أن اتهمت روسيا بأنها لعبت دوراً كبيراً في توجيه حركة طالبان خلال الحرب في أفغانستان لاستهداف القوات الأمريكية هناك، وإرشادها إلى مكان قواتها، وهو أمر نفته موسكو سابقاً. ولكن واشنطن تعاود الآن ممارسة ما اتهمت به روسيا في أفغانستان في سبيل دعم أوكرانيا حليفتها، وهو أمر يثير التساؤلات حول أخلاقيات الحرب والقيم التي تنادي بها واشنطن في ساحات القتال.


https://www.interregional.com/%d9%87%d8%a7%d8%ac%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%b1%d8%b7/