هاجس المؤامرة:

كيف يُشكِّل المقاتلون الأمريكيون في أوكرانيا تحدياً لإدارة بايدن؟
هاجس المؤامرة:
19 مايو، 2022

استجابةً لدعوة الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي”، أبدى آلاف الأمريكيين، وغيرهم من مواطني العديد من الدول الغربية، رغبتهم في القتال بجانب كييف في حربها ضد روسيا، ليتدفق عدد متزايد من المتطوعين الأجانب إلى الأراضي الأوكرانية تحت زعم وقوفهم “بالجانب الصحيح من التاريخ”؛ حيث يوقعون العقود ويتلقَّون الأسلحة، تمهيداً لانتشارهم في ميادين المعارك على اختلافها. وعلى الرغم من انضمام بعض قدامى المحاربين الأمريكيين ذوي الخبرة في حربَي أفغانستان والعراق إلى صفوف المقاتلين، فإن كثيراً منهم من المبتدئين ممن يسهل تعرُّضهم للقصف الجوي وصواريخ جراد وقذائف المدفعية خلال العمليات العسكرية الروسية. وفي اتجاه مضاد لأهدافهم القيمية المعلنة، فإن تطوُّعهم لا يخلو من تحديات عدة تسعى الإدارة الأمريكية إلى مواجهتها.

دوافع مُحركة

تتعدد دوافع المقاتلين الأمريكيين للانضمام إلى الفيلق الدولي للمتطوعين لمساعدة أوكرانيا في الدفاع عن نفسها ضد العمليات العسكرية الروسية، وهي الدوافع التي يمكن إجمالها على النحو الآتي:

1– توافر الرغبة في التطوُّع، وخاصةً من ذوي الخبرة القتالية: أكد الملحق العسكري الأوكراني في واشنطن “بوريس كريمينتسكي”، أن المُتطوِّعين من المواطنين الأمريكيين المُشارِكين في العمليات العسكرية في أوكرانيا يضمُّون فيما بينهم قدامى المحاربين ممن قاتلوا في العراق وأفغانستان من ذوي الخبرة، وكذلك بعض طياري المروحيات. ومنذ بداية التدخُّل العسكري الروسي في أوكرانيا، تراوح عدد المُتطوِّعين الذين أبدوا الاهتمام بالذهاب إلى أوكرانيا بين 6–10 آلاف غالبيتهم العظمى من الأمريكيين، وإن رُفض انضمام بعضهم لعدم توافر الخبرة العسكرية اللازمة لديهم، أو لأنهم من أصحاب السوابق الجنائية أو لأسباب أخرى (مثل التقدم في العمر).

2– الاستجابة لدعوة الرئيس الأوكراني إلى الدفاع عن أوكرانيا: تدفَّق عدد من المتطوعين الأمريكيين إلى العاصمة كييف لتوقيع العقود وتلقي الأسلحة قبل نشرهم في أحد الخطوط الأمامية للحرب استجابةً لدعوة الرئيس الأوكراني “زيلينسكي” إلى الدفاع عن بلاده ممثلةً في إعلانه عن إنشاء فيلق دولي للمتطوعين لمساعدة بلاده في الدفاع عن نفسها ضد روسيا. وقد دفعت صحيفة “واشنطن بوست” أنه يمكن لقدامى المحاربين الأمريكيين الانضمام إلى الجيوش الأجنبية ما داموا لا يتصرَّفون كمرتزقة أو يُجنَّدون أثناء وجودهم في الولايات المتحدة.

3– تحقيق الربح المادي بعد التوظيف في الشركات الخاصة: بجانب تطوع عدد من المتعاقدين العسكريين الخاصِّين الأمريكيين والأوربيين للمشاركة في القتال، لا سيما من يتمتعون بخبرة كبيرة في الحرب؛ فإن هناك متعاقدين خاصين يصلون إلى البلاد لأغراض الإخلاء والإجلاء والدفاع بعد توظيفهم من قبل الشركات الخاصة، لا سيما عقب إعلانات التجنيد التي ظهرت على موقع (Silent Professionals)، وهو الموقع الإلكتروني المخصص لوظائف الدفاع والأمن الخاص؛ وذلك للبحث عمن يُسمَّون “وكلاء الإخلاء والحماية” المسؤولين عن إجلاء المواطنين الأوكرانيين من ريف أوكرانيا والمدن الكبرى بشرط توافر خبرة عسكرية لا تقل عن 5 سنوات في هذه المنطقة من أوروبا بمقابل مادي يتراوح بين ألف وألفي دولار يوميّاً. وهناك شركات أخرى تُوظِّف أشخاصاً لوظائف مماثلة بأجر يومي يتراوح بين ألفي يورو وثلاثة آلاف يورو.

4– الاعتبارات القيمية الحاكمة للتصدي للقصف الروسي: دفع بعض المتطوعين الأمريكيين ممن أَجْروا لقاءات صحفية مع عدد من الصحف الأمريكية البارزة، وفي مقدمتها “واشنطن بوست”، بأنهم مقتنعون بأهمية المشاركة في الحرب بعدما رأوا صور المدنيين وهم يُقتلون من جرَّاء القصف الروسي. وعلى الرغم من تحذير وزير الخارجية “أنتوني بلينكن” من ذهاب الأمريكيين إلى أوكرانيا، فإن السفارة الأوكرانية في الولايات المتحدة أكدت اتصال ما يزيد عن 3 آلاف مواطن أمريكي بها للتعبير عن رغبتهم في الانضمام إلى القتال. ومن الجدير بالذكر أنه بعد اندلاع الحرب في دونباس بأوكرانيا في عام 2014، انضمَّ عشرات الأمريكيين إلى مقاتلين أجانب آخرين في مجموعات مسلحة لمحاربة الانفصاليين المدعومين من روسيا، وقد تبيَّن أن عدداً منهم متطرفون يمينيون عنيفون من المنضمين إلى المقاتلين تذرُّعاً بالاعتبارات الإنسانية.

مهامُّ متعددة

وقد تعدَّدت المهامُّ التي انخرط فيها المقاتلون الأمريكيون في إطار حربهم ضد روسيا لتشمل ما يأتي:

1– استهداف الجنود الروس: كُلِّف الفيلق الدولي بوجه عام والمقاتلين الأمريكيون بوجه خاص برصد وتتبع المقاتلين الروس باستخدام الطائرات من دون طيار من ناحية، والانخراط في العمليات القتالية ضدهم من ناحية ثانية. ومن الجدير بالذكر أن الفيلق الدولي أعطى الأولوية لإنشاء وحدات المشاة، بجانب تخصيص المقاتلين الأجانب بناءً على مهاراتهم الفردية، لا سيما أن بعضهم اعتبر الفيلق الدولي ممارسة دعائية أكثر من كونه قوة عملية، فانضمُّوا بدلاً من ذلك إلى كتائب قتالية غير رسمية أو “قوات الدفاع الإقليمي الأوكرانية” الأقرب إلى الميليشيات الرسمية.

2– مقاومة القوات الروسية: أكدت مصادر صحفية أمريكية انضمام الآلاف من المحاربين القدامى الأمريكيين ممن خدموا في العراق وأفغانستان إلى صفوف المقاتلين في أوكرانيا لمقاومة القوات الروسية. وفي مارس الماضي، قدَّرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية دخول نحو 1600 مقاتل أمريكي إلى أوكرانيا. كما ذكر مسؤول أوكراني في الشهر نفسه أن 3 آلاف متطوع أمريكي سيشاركون في كتيبة دولية لمقاومة القوات الروسية.

3– إيصال المساعدات الإنسانية: قدَّمت مجموعة (Task Force Yankee) – التي وضعت أكثر من 190 متطوعاً في مواقع قتالية – ما يقرب من 15 ألف حقيبة إسعافات أولية؛ ما ساعد في نقل أكثر من 80 أسرة أوكرانية عالقة، وتوصيل المواد الغذائية والإمدادات الطبية على الجبهتين الجنوبية والشرقية للحرس. ويرأس تلك المجموعة “هاريسون جوزيفوفيتش” الذي استقال من وظيفته ضابط شرطة في شيكاغو، وتوجه إلى الخارج بعد فترة وجيزة من التدخُّل العسكري الروسي في أوكرانيا، وقد فعل ذلك لأنه من قدامى المحاربين في الجيش ممن شعروا بالعجز من جراء مشاهدة الانسحاب الأمريكي من أفغانستان.

4– تقديم الخدمات الطبية: أمكن الاستفادة من الخلفيات الطبية لبعض المتطوعين في تقديم الإسعافات الأولية وإمداد المحاربين بالمضادات الحيوية والأدوية المضادة للالتهابات، بعد أن تعرَّض عدد كبير منهم لحمى من جراء الغارات الجوية والاختباء في الخنادق في الثلج والهواء البارد. ومن هنا أمكن الاستفادة مما سُمِّيت ظاهرة “سائحي الحرب” الذين لا يملكون الكثير ليُقدِّموه للوحدات العسكرية.

تحديات مقلقة

يفرض المقاتلون الأمريكيون في أوكرانيا جملة من التحديات على الإدارة الأمريكية، وهي التحديات التي يمكن إجمالها على النحو الآتي:

1– توجيه واشنطن تحذيرات متكررة إلى المقاتلين: حذرت وزارة الخارجية الأمريكية من أن الأمريكيين الذين يقاتلون في أوكرانيا يواجهون مخاطر كبيرة، لا سيما أن روسيا تنوي معاملة المقاتلين الأجانب في أوكرانيا على أنهم مرتزقة بدلاً من اعتبارهم مقاتلين قانونيين أو أسرى حرب، كما علق المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية “نيد برايس” على التقارير التي تفيد بأن السفارة الأوكرانية في واشنطن تساعد الأمريكيين على القتال ضد روسيا بقوله: “لم نغير نصيحتنا.. صحيح أن الأوكرانيين أظهروا شجاعتهم في المواجهة، وهم يطالبون بكل وسيلة ممكنة للدفاع عن أنفسهم.. وبالطبع، تقف الولايات المتحدة معهم في توفير مساعدتنا الأمنية.. في شكل إمداداتنا الإنسانية.. ولكن تظل إرشاداتنا كما هي، ولا تزال إرشادات السفر الخاصة بنا قائمة.. يجب على مواطني الولايات المتحدة عدم السفر إلى أوكرانيا.. يجب على الموجودين في أوكرانيا المغادرة على الفور، إذا كان ذلك آمناً بالنسبة إليهم؛ وذلك باستخدام الخيارات التجارية أو غيرها من الخيارات المتاحة للقطاع الخاص في وسائل النقل البري الآن”.

2– احتمالية التعرُّض لمحاكمات جنائية أو الأسْر: تدرك الإدارة الأمريكية أن المقاتلين الأمريكيين الذين سافروا إلى أوكرانيا قد يواجهون محاكمات جنائية، أو قد يقعون في الأسر، أو قد يموتون على يد الروس دون أن تتمكن الولايات المتحدة من إجلائهم في الوقت المناسب؛ لذلك واصلت وزارة الخارجية الأمريكية تشجيع المواطنين الأمريكيين على مساعدة أوكرانيا بطرق بناءة، من خلال المساعدات الإنسانية وغيرها من الوسائل الأمنة، مع حثهم على عدم السفر إليها حفاظاً على سلامتهم، مع توجيه طاقاتهم إلى أنشطة آمنة بناءة وتطوعية في إطار المجتمع المدني.

وتتخوَّف الإدارة الأمريكية من تعرُّض المواطنين الأمريكيين المحتجزين لدى السلطات الروسية في أوكرانيا، للملاحقة الجنائية. ولا شك أن الأسير الأمريكي – وخاصةً المحارب المخضرم – قد يتحوَّل إلى آلة دعائية للكرملين، ليصبح الشخصية الرئيسية في أزمة جديدة بين واشنطن وموسكو؛ لذا حضَّت الولايات المتحدة مواطنيها على عدم القتال في أوكرانيا تخوفاً من تداعيات قانونية وأمنية محتملة.

3– إمكانية الحصول على الجنسية الأوكرانية: تتخوَّف الإدارة الأمريكية من أن توقيع المتطوعين المنضمين إلى الفيلق الدولي على عقد يُلزِمهم بالخدمة العسكرية في فترة الحرب، قد يؤهلهم للتجنُّس بالجنسية الأوكرانية، لا سيما المؤهلين منهم للأعمال القتالية؛ إذ يملك عشرات من قدامى المحاربين خبرات عسكرية تتجاوز عشر سنوات، وقد خدم كثير منهم في أفغانستان أو العراق، ويستطيع بعضهم تشغيل الطائرات من دون طيار واستخدام أسلحة جافلين المضادة للدروع، وصواريخ ستينجر أرض–جو، وكلاهما سلاحان قدَّمتهما الولايات المتحدة والبلدان الغربية لأوكرانيا بأعداد كبيرة مؤخراً.

ضغوط متزايدة

وختاماً.. يصعب الجزم بالقيمة المضافة التي يقدمها المقاتلون الأمريكيون من بين المقاتلين الأجانب في أوكرانيا، وفي المقابل فإن وقوع أيٍّ منهم في الأسر قد يُمكِّن روسيا من تشويه حقيقة المقاومة الأوكرانية؛ لتدفع بأنها لا تعدو عن كونها مؤامرة أمريكية غربية؛ ما قد يفرض مزيداً من الضغوط على الولايات المتحدة، في وقت يشكو فيه المتطوعون من تأخُّر التعاقد، وعدم الحصول على الأسلحة بالسرعة الكافية، وانتظارهم فترات طويلة حتى تعيينهم في ساحات المعارك.


https://www.interregional.com/%d9%87%d8%a7%d8%ac%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a4%d8%a7%d9%85%d8%b1%d8%a9/