“هذا لن يمر”:

هل وصلت الديمقراطية الأمريكية إلى حافة الانهيار؟
“هذا لن يمر”:
18 مايو، 2022

عرض: إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

أثار الكتاب الجديد الذي ألَّفه “جوناثان مارتن” و”ألكساندر بيرنز” المراسلان في صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، والذي حمل عنوان “هذا لن يمر: ترامب وبايدن والمعركة من أجل مستقبل أمريكا”، والذي صدر في مايو 2022؛ حالة من الجدل داخل الولايات المتحدة، في ظل سعي الكاتبَين إلى تقديم حقائق وتفاصيل جديدة توثق حالة النظام السياسي الأمريكي الذي بلغ حافة الهاوية.  وقد استند الكتاب إلى مئات المقابَلات مع أشخاص كُثُر في مختلف المستويات الحكومية الأمريكية، بجانب عشرات من الولايات والمدن الأمريكية والعديد من العواصم الأجنبية. وقد استعانا ببعض المصادر والوثائق السرية الدالة على طرحهما. وهو ما يُشكِّل في مجمله سجلّاً تاريخيّاً يسمح للمؤلفَين بسرد تفاصيل دقيقة تصف عملية تداول السلطة بعد خسارة الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في نوفمبر 2020، وفوز المرشح الديمقراطي “جو بايدن”.

أزمة الديمقراطية الأمريكية

أجمل الكاتبان عدداً من ملامح أزمة الديمقراطية الأمريكية التي كشفت عنها الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وهي الملامح التي يمكن الوقوف عليها في النقاط الآتية:

1- دخول البلاد حافة الانهيار السياسي نهاية عهد ترامب: دفع الكتاب أن الرواية الصادمة للانتخابات الرئاسية لعام 2020 والسنة الأولى لرئاسة الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، كشفت عن الانقسامات العميقة داخل الحزبَين الديمقراطي والجمهوري، لتقترب البلاد من نقطة الانهيار السياسي عقب أزمة ديمقراطية طاحنة، استمرت في البلاد 18 شهراً، وهي الأزمة التي ستظلُّ محفورة في الذاكرة السياسية للبلاد لعقود قادمة. فقد واجه الحزبان سلسلة من الصدمات الوطنية، بما في ذلك جائحة فيروس كورونا، وهجوم 6 يناير على مبنى الكابيتول، وسياسة حافة الهاوية السياسية، وتشكيك “دونالد ترامب” في انتخابات عام 2020، بجانب حملات ممنهجة للانتقام من الجمهوريين، وصراعات مريرة لتوحيد الحزب الديمقراطي؛ وذلك عقب توتر نظام الحزبَين وصولاً إلى درجة من درجات التفكُّك، أثرت بدورها على التقاليد والمؤسسات الراسخة في السياسات الأمريكية.

2- معضلة التنافس الحزبي في الانتخابات الرئاسية: وصف الكتابُ الانتخابات الرئاسية السابقة بقوله: “سعت الدولة ببساطة إلى استعادة قدر ضئيل من الحياة الطبيعية. لا شيء آخر. حتى مع فوز “بايدن” بأغلبية بلغت 7 ملايين صوت، حصل الجمهوريون على 16 مقعداً في مجلس النواب”. فقد شهدت الانتخابات هجمات الجمهوريين على نظرية العرق بالتزامن مع إغلاق المدارس بسبب جائحة كوفيد-19، وهو ما أسفر – في مجمله – عن تقدم الديمقراطيين، وإن عزا الكتاب فوز “بايدن” في الانتخابات إلى الأمهات والآباء في الضواحي، واستشهد بما دفع به معهد “بروكينجز” الليبرالي في تقرير أصدره بعد الانتخابات ذكر فيه: “لقد جاء فوز (بايدن) من الضواحي”. وبعبارة أخرى، فإن الاشتراكية، وواقع الجريمة المتصاعدة، والصخب من أجل فتح الحدود، والمطالبات بوقف تمويل الشرطة، كادت تكلف الديمقراطيين الرئاسة. وبصفته عضواً في مجلس الشيوخ، كان “بايدن” يدرك خطورة وعظم تأثير العوامل الثقافية، دون أن يعكس ذلك إدراك الحزب الديمقراطي لأهمية ذلك بالضرورة.

3- أزمة قيادات داخل الحزبَين الديمقراطي والجمهوري: وصف الكتاب الحزب الديمقراطي الذي يقوده “بايدن” بأنه “غير كفء وبعيد عن الواقع ومُصَاب بالدوار السياسي”، كما وصف الحزب الجمهوري بالحزب “الغاضب الذي يدين بالولاء والفضل للرئيس الجمهوري السابق (ترامب)”، وإن أشار إلى مطالبة السيناتور الجمهوري “ليندسي جراهام” له بسحب مثيري الشغب من مبنى الكابيتول، وإلا واجه التعديل الخامس والعشرين. كما أشار الكتاب إلى السيناتور الجمهوري “ميتش ماكونيل” الذي رأت حساباته السياسية أن “ترامب” “إنسان حقير”، ومع ذلك صوَّت مرتَين ضد عزله. كما تطرَّق الكتاب إلى السيناتور الجمهوري “كيفن مكارثي” المتعطش إلى السلطة لدرجة أنه حمَّل “ترامب” المسؤولية عن محاولة الانقلاب، لكنه سارع إلى إعلان الولاء لرئيسه. وأخيراً ذكر الكتاب السيناتور الجمهورية “ليزا موركوفسكي” التي أعربت عن استغرابها من أن الكثير من الأمريكيين يعتقدون أن الانتخابات الرئاسية لعام 2020 قد سُرقت.

4- تعدد إخفاقات المؤسسات السياسية الأمريكية: عقب اقتحام الكابيتول، بات من الواضح أن جهاز الأمن القومي وقادة الشرطة المسؤولين عن الدفاع عنه قد فشلوا في توقع حجم التهديد المحتمل. وعلى صعيد المُشرَّعين المُكلَّفين بإتمام عملية نقل السلطة، خيَّم التوتر إلى حد انهيار المؤسسات الأساسية للديمقراطية الأمريكية. ومن الجدير بالذكر أنه في المناظرة الرئاسية الأولى، رفض “ترامب” بوضوح إدانة الجماعة المتطرفة المعروفة باسم “الأولاد الفخورين”، فيما أصدر القادة الديمقراطيون توجيهات للمشرعين باستخدام شبكة من الأنفاق تمرُّ تحت مبنى الكابيتول للتنقُّل في 3 يناير الماضي.

5- مواجهة الديمقراطية الأمريكية اختباراً حقيقيّاً: استلم “بايدن” السلطة عقب حالة طوارئ سياسية في الولايات المتحدة. وخلال عامين، وجدت الديمقراطية الأمريكية منذ بداية جائحة فيروس كورونا والمعارك التشريعية الحاسمة لإدارة “بايدن” الجديدة، نفسها أمام اختبار غير عادي؛ ففي هذا الوقت، أصبح من الواضح أن السياسة الأمريكية لم تصبح مجرد صراع بين الأحزاب أو اليسار واليمين؛ فقد تحوَّلت العناصر الأساسية للديمقراطية الأمريكية – أي الحملات الانتخابية والتصويت والتشريع – إلى معركة وجودية من أجل بقاء النظام الديمقراطي، كما أصبح العديد من المشرعين مجرد منابر لناخبيهم المتطرفين؛ ما أدى إلى تفاقم “القبَلية الداخلية” التي كانت هددت البلاد أكثر من أي خصم أجنبي. ولم يكن الحزبان مجرد خصمَين، بل كانا أعداءً في حرب داخلية باردة مشتعلة.

سمات الإدارة الأمريكية

يمكن الوقوف على أبرز سمات وملامح إدارة “بايدن” بالنظر إلى النقاط التالية:

1- عدم تيقُّن “بايدن” من قدرات نائبته في الرئاسة: دفع الكتاب أن فوز “جو بايدن” وحصول الجمهوريين على مقاعد في الكونجرس يدل على عدم كفاءة “ترامب” وشركائه. ومع ذلك، واجه “بايدن” صعوبة في بلورة رسالة متماسكة، وهو ما قد يرجع، في جزء منه، إلى عدم يقينه من قدرات رفيقته في الترشح كامالا هاريس؛ فخلال الانتخابات التمهيدية، تعددت ملاحظات “بايدن” عليها، ووصفها بأنها “لا تعرف مَن تريد أن تكون”.

2- اختلاف فترة “بايدن” عن إرث الرئيس الأسبق “أوباما”: دفع الكتاب أن “بايدن” يُكرِّس فترة رئاسته كي تكون فترة تحويلية، بمعنى اختلافها الجذري عن إرث الرئيس الأمريكي الأسبق “باراك أوباما” من ناحية، والتوق إلى مقارنته بالرئيس الأمريكي الأسبق “فرانكلين روزفلت” من ناحية ثانية. وبحسب ما ورد في الكتاب، قال “بايدن” لأحد المستشارين: “أنا واثق بأن (باراك) ليس سعيداً بهذه الإدارة باعتبارها أكثر تحويليةً من إدارته”. وهو ما تكرَّر ذكره على لسان “نانسي بيلوسي” (رئيسة مجلس النواب) بقولها إن “أوباما غيور من بايدن”. وفي محادثة هاتفية بين “بايدن” و”أبيجيل سبانبرجر” (العضوة المعتدلة في الكونجرس عن ولاية فرجينيا والعضو السابق في مجتمع الاستخبارات التي لعبت دوراً بارزاً في عزل “ترامب”) دفعت الأخيرة بأن الأول هو الرئيس “روزفلت”، فشكرها الرئيس “بايدن” على حسها الفكاهي.

3- تأكيد “بايدن” أنه رئيس لكل الأمريكيين عقب فترة ترامب: سعى “بايدن” إلى تأكيد دوره بوصفه رئيساً للجميع بخلاف “ترامب”. ومع ذلك، لم يتم إقصاء الأخير من الحياة السياسية الوطنية، لكنه يظل القوة المهيمنة في حزبه، وهو مُصمِّم على تطهير الجمهوريين القلائل الذين لم يرضخوا له. ولم تنحسر الانقسامات السياسية والاجتماعية في البلاد، لكنها أثبتت ضراوتها حتى قوَّضت توزيع لقاحات فيروس كورونا؛ ما أدى إلى تفاقم انتشار السلالات الأكثر عدوى.

4- تردد الرئيس الأمريكي في تحديد أولويات سياساته: نجح “بايدن” والزعماء الديمقراطيون في الكونجرس (“نانسي بيلوسي” و”تشاك شومر” بصفة خاصة) في توحيد البلاد، وإن ظهر “بايدن” أسيراً للسياسات الداخلية الغامضة للحزب الديمقراطي، متردداً في أولوياته رغم قرب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقرر لها في نوفمبر القادم. وبحلول نهاية عام 2021، أقر “بايدن” قانوناً قُدِّرت قيمته بمليارات الدولارات للإغاثة من فيروس كورونا، كما حقق نجاحاً كبيراً على صعيد البنية التحتية، واقترب من معالجة قضايا الأسرة وسياسات الرفاه وتغير المناخ. ومع ذلك، فإن ثمن تلك الإنجازات تمثَّل في تصدُّع حزب “بايدن”، واختبار صبر الناخبين القلقين من تفشي الوباء، وارتفاع تكلفة السلع الاستهلاكية. وقد بدا أن إنجازات “بايدن” البارزة لم تكن نتيجة لأغلبية انتخابية جديدة بقدر ما نجمت عن قادة ديمقراطيين ترسخت أدوارهم منذ فترة طويلة.

إخفاقات نائبة الرئيس

استطرد الكتاب إلى الحديث عن نائبة الرئيس الأمريكي “كامالا هاريس” على النحو الذي يمكن إجماله في النقاط الآتية:

1- اعتراض “هاريس” على نشر صور غير لائقة لها: أشار الكتاب إلى واقعة ظهور هاريس على غلاف مجلة “فوج” في عام 2021، وهي ترتدي سترة وجينز وحذاءً رياضيّاً، وفي لقطة أخرى كانت ترتدي بذلة زرقاء، مع تعليق أضافته المجلة على الصورة يقول: “الصورة غير الرسمية تجسد الطبيعة الحقيقية لنائبة الرئيس المنتخَبة هاريس. هذا – في رأينا – هو واحدة من السمات المميزة لإدارة بايدن وهاريس”.  ولقد أوضح الكتاب كيف كانت “هاريس” غاضبة بسبب الصورة التي قرر محررو المجلة وضعها على الصفحة الأولى من العدد دون علمها، فأخبرت مساعديها أن “فوج لن تصور أبداً قادة العالم الآخرين بهذه الطريقة”.

2– تهديد بايدن بإقالة أي موظف يسيء لنائبته: ورد في الكتاب أيضاً أن “بايدن” هدد بإقالة موظفي البيت الأبيض الذين ساهموا في نشر أخبار مسيئة عن “هاريس”، وحذرهم من أنه إذا تبيَّن له أن أيّاً منهم أشاع أخباراً مسيئة عنها، فسيتحوَّل عاجلاً إلى موظف سابق، وقد أوضح الكتاب كيف انتشرت تقارير توثق بعض المشكلات التي تخلُّ بسير العمل داخل مكتب “هاريس” على نحو أغضب “بايدن”.

3– ضيق “هاريس” من المهام الموكلة إليها من بايدن: ذكر الكتاب أيضاً أن “هاريس” خاب ظنها بسبب المهام التي أوكلها إليها “بايدن”، والتي تضمنت أيضاً حقوق التصويت، وهي مهمة أخرى وصفها مراقبون كثيرون بأنها غير مرغوب فيها. وقد استشهد الكتاب بما ذكرته نائبة مقربة من “هاريس” في مجلس الشيوخ الأمريكي من أن نائبة الرئيس بلغ منها الإحباط مبلغاً كبيراً إثر تدني شعبيتها في استطلاعات الرأي من ناحية، وما أشار إليه بعض المراقبين من أن معدل الإحلال والتبديل المتسارع لموظفيها خلق إحساساً بالفوضى من ناحية ثانية.

4– شهادات لمقربين من الإدارة ضد “هاريس”: أكد الكتاب أن “كيت بيدينجفيلد” (مديرة الاتصالات في البيت الأبيض) لامت “هاريس” لوماً مباشراً على كل ما حدث. وأضاف الكتاب أنه في الكواليس لفتت “بيدينجفيلد” إلى أن نيابة الرئاسة لم تكن أول مهمة تُخيِّب فيها “هاريس” الآمال المُعوَّلة عليها في مسيرتها السياسية؛ فقد غلبت الفوضى على مكتبها أيضاً في مجلس الشيوخ، وكانت حملتها الرئاسية فاشلة. وأضاف الكتاب أن “بيدينجفيلد” أنكرت هذا الادعاء، وأكدت أن “هاريس” مكمن قوة في الإدارة الأمريكية، وأنها تُكِن احتراماً كبيراً للعمل الذي تضطلع به كل يوم لدفع البلاد قدماً إلى الأمام. فيما ذكر الكتاب أن “بايدن” يفكر في الاستعانة بمُرشَّح آخر لمنصب نائب الرئيس في الانتخابات الرئاسية لعام 2024.

في المجمل، اختتم الكتاب بتأمُّل حالة الديمقراطية الأمريكية، فأجمل التحديات التي تعترضها في عدم مغادرة ترامب المسرح السياسي، ورغبة السيناتور الجمهوري “ميتش ماكونيل” في أن يصبح زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ مرة أخرى، وفي تقدم الجمهوريين في الاقتراع العام استعداداً لاستعادة أغلبية مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقبلة، وعدم رغبة “بايدن” في مواجهة “ترامب” بصراحة، فضلاً عن كفاح “بايدن” للبقاء في السلطة مع تراجع فاعلية جهوده تجاه الحرب الروسية-الأوكرانية، وهيمنة التضخم على مخاوف معظم الأمريكيين، وأخيراً انكماش الاقتصاد لأول مرة منذ عامين، وهو ما يعني أن الأمور حتى نوفمبر 2024 (موعد الانتخابات الرئاسية القادمة) قد تتجه إلى الأسوأ.

المصدر:

 Jonathan Martin & Alexander Burns, This Will Not Pass: Trump, Biden, and the Battle for America’s Future (New York and London: Simon and Schuster, May 2022)


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%87%d8%b0%d8%a7-%d9%84%d9%86-%d9%8a%d9%85%d8%b1/