اللحظات الفارقة:

الانتقال من "مجتمعات المخاطر" إلى "عالم الفرص" في إكسبو دبي
اللحظات الفارقة:
30 سبتمبر، 2021

أدى تتابع الأزمات وتزايد المخاطر في عالم خاطف السرعة تحكمه تهديدات جائحة كورونا إلى خفوت الاهتمام بالفرص لدى الأفراد والمجتمعات، مع التركيز على أولويات البقاء والحفاظ على السلامة الذاتية. وفي خضم النضال الفردي والمجتمعي لمواجهة المخاطر، تصاعدت اتجاهات تقودها نماذج عالمية رائدة تدفع نحو الاهتمام بالفرص والاستثمار بها وتغيير منظورات رؤيتنا للواقع بحثاً عن النوافذ الزمنية المواتية لإحداث التغيير الإيجابي في المجتمعات. ولا يوجد نموذج أكثر تعبيراً عن هذا الاتجاه من “إكسبو 2020 دبي” بدولة الإمارات العربية المتحدة، إذ إن تكرار مفهوم الفرص في الفعاليات الرئيسية لإكسبو وتخصيص جناح للفرص ومنطقة مستقلة للفرص جاء مغايراً للاتجاه العالمي عقب جائحة كورونا ليكشف عن رؤى بديلة للانتقال من “مجتمعات المخاطر” (Risk Societies) إلى “عالم الفرص” (Opportunities World) والتطلع لآفاق الابتكار والإبداع والاستدامة.

القوى الإيجابية المحركة

ربما لم تكن هناك قوة دافعة نحو التقدم في تاريخ البشرية أكثر من الاعتقاد يقيناً في وجود “فترات زمنية مواتية لإحداث التغيير الإيجابي”، ويشمل ذلك الأفراد والمجتمعات والدول على السواء، ويكمن التميز في الاستثمار في خلق حالة “وفرة الفرص” المتاحة والسياقات المهيِّئة لصناعة فرص جديدة ودعم قدرة الأفراد والمجتمعات على استغلالها. وفي هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى عدد من الدوافع التي تجعل الاهتمام بالفرص أولوية قصوى في عالم اليوم:

1- تطويع جائحة كورونا والتعايش معها: يتصدر الدوافع الرئيسية للاهتمام بالفرص الاحتياج للتعامل مع “الوضع العادي الجديد” المتمثل في جائحة كورونا على الأقل خلال المدى المنظور في ظل الانتشار السريع للمتحورات واختلال توزيع اللقاحات بين دول العالم، ويؤدي ذلك للاهتمام بالأمن الصحي والأمن الإنساني بصورة أكبر من أي وقت مضى للتعامل مع موجات الفيروس المتتابعة، وتعزيز القدرة الاستيعابية الصحية، وتطوير قطاعات البحوث والتطوير في المجالات الطبية للتعامل مع الأمراض الوبائية مستقبلاً.

2- تعزيز المرونة والتكيف مع التحولات المفاجئة: يضاف إلى الاستجابة للطوارئ، القدرة على المرونة والقدرة على التكيف مع التحولات المفاجئة (Resilience)، والاستفادة من دروس الماضي من خلال بناء “الذاكرة القومية”، وتعزيز قدرات إدارة الأزمات، واستيعاب الصدمات، ثم الارتداد للحالة الطبيعية والقيام بإصلاحات تستهدف تخفيف حدة التحولات المفاجئة والاستفادة منها في المستقبل.

3- صناعة النماذج الوطنية لإدارة الفرص: يستهدف التركيز على الفرص بدلاً من المخاطر بناء نماذج وطنية تُحتذى تعزز القوة الناعمة للدول باعتبارها “أرض الأحلام” التي تتحقق فيها التطلعات والطموحات بسبب “وفرة الفرص” المتاحة والممكنة والتي يمكن للأفراد الاعتماد عليها في تحقيق ذواتهم بدعم من سياقات مجتمعية مهيِّئة للنجاح.

4- توظيف سياسة “بؤر التميز”: تقوم هذه السياسة على تأسيس مساحات للمتميز هدفها نشر “ثقافة الفرص” في المجتمعات، مثل “المدن الذكية” و”حواضن الأعمال” و”مناطق الابتكار”، والتي تتيح للأفراد والمؤسسات فرصاً غير محدودة لبناء مشروعاتهم وإطلاق مبادراتهم، سواء الهادفة للربح أو غير الهادفة للربح ضمن اتجاهات المسؤولية الاجتماعية للأفراد والمؤسسات. ويكون ذلك من خلال ابتكار طرق وأساليب مبتكرة للمعيشة والتفكير توظف التكنولوجيا والأفكار المبتكرة في تلبية الاحتياجات الإنسانية، مع الحفاظ على الاستدامة البيئية والاستثمار الأمثل للموارد.

5- تبني دبلوماسية “المشكاة” والبؤر المضيئة: تُقْدِم “سياسة الفرص” على تكريس التميز في مجالات محددة ثم توظيفها في السياسة الخارجية للدولة باعتبارها القضية الرئيسية لنشاطها الدولي، مثل: الاهتمام بالأمن الإنساني، أو تغير المناخ من جانب الدول الإسكندنافية، والتركيز على الابتكار وريادة الأعمال من جانب بعض دول البلطيق. وتظهر “دبلوماسية المدن العالمية” كأحد أبرز أنماط توظيف قوة الفرص في العلاقات الدولية، حيث يتم الاعتماد على قدرات المدن العالمية ونماذج التعايش والابتكار والتحديث السريع في تعزيز المكانة الدولية للمدن وتأثيرها في التفاعلات الدولية.

ملامح الاحتفاء بالفرص

يضع “إكسبو 2020 دبي” بدولة الإمارات العربية المتحدة الفرص في صدارة الرؤية الفكرية والتصميم الهندسي وتنظيم الفعاليات، وهو ما جعل “الفرص” مصطلحاً مركزياً ضمن تجربة الزوار والمتابعين للحدث العالمي. ويمكن استعراض أبرز أنماط الفرص ضمن الإكسبو في الآتي:

1- تمكين الأفراد والمجتمعات: يتمثل الشعار الرئيسي لجناح الفرص في إكسبو في “إطلاق العنان للقدرات الكامنة داخل الأفراد والمجتمعات”، حيث يرسخ “عالم الفرص” رؤية ملهمة حول قدرة “الأفعال الصغيرة على إحداث تأثير كبير” وقدرة الشخص الواحد على تغيير العالم من حوله عبر مبادرات عالمية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة العالمية، مثل: القضاء على الفقر، وحماية كوكب الأرض، ودعم السلام والازدهار بحلول عام 2030، وذلك من خلال التجارب الملهمة والنماذج الفردية الرائدة.

2- خلق مساحات للتواصل الإنساني: يؤكد تصميم شركة “أيه جي آي آركيتيكتس” على أهمية مساحات التواصل المفتوحة، حيث يستند الجناح لمفهوم “الساحة” باعتبارها ملتقى للتواصل بين البشر بغض النظر عن التباينات في الأعمار واللغة والثقافة للاحتفاء بالتجربة الإنسانية المشتركة، ويستهدف الجناح توفير “منصة للمشاركة الاجتماعية عبر الثقافات المختلفة”، وهو ما يعزز من ثقافة التعايش البناء.

3- الترويج لـ”الروايات الناجحة”: يركز الجناح على الترويج لقصص النجاح والروايات الملهمة في تغيير المجتمعات وتحسين جودة الحياة والحفاظ على الموارد عبر توظيف التكنولوجيا الصديقة للبيئة والتي تحافظ على الموارد، مثل: استخلاص المياه من الضباب، والزراعة العضوية، وتوظيف الطاقة الشخصية في المنازل، وإعادة التدوير للمخلفات التكنولوجية، وغيرها من الأفكار الملهمة.

4- توظيف قوة “التعهدات الإيجابية”: يتضمن المعرض تجربة فريدة للغاية يُطلق عليها “غرفة التعهدات”، وتتضمن مساحة لقيام الزوار بوضع خرائط سلوكية لإحداث فارق في حياتهم وحياة الآخرين، ثم كيفية تحويل هذه التعهدات إلى واقع ملموس عبر تغيير سلوكياتهم وأنماط حياتهم اليومية.

5- تحقيق أهداف التنمية المستدامة: يعد هذا الجناح المقر الرئيسي للدفع باتجاه تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي تتبناها الأمم المتحدة حتى عام 2030، حيث يحتضن المقر مساحة “مركز الأمم المتحدة”، ويركز على مسارات متوازية للتعامل مع موارد الماء والغذاء والطاقة باعتبارها الأهم فيما يتعلق بتلبية الاحتياجات الأساسية للبشر، ويتم استعراض المشروعات المبتكرة للأفراد التي تقوم بتوظيف موارد محدودة لتحقيق النفع العام في هذه المجالات.

6- تحفيز الابتكار والتطوير: يركز إكسبو على “قوة الأفكار الجديدة” والمعالجات المبتكرة لمشكلات الحياة اليومية بحيث يتم الاستثمار بها وتسليط الضوء عليها، حيث يحتل المبتكرون والمبدعون ورواد الأعمال مكاناً في الصدارة، سواء الأفراد أو المؤسسات والشركات أو الدول التي أنتجت نماذج ملهمة في مجالات البيئة والطاقة والتكنولوجيا والإدارة، حيث يوفر جناح “مبدعون في الخير” ساحة تفاعلية واسعة هدفها الاستكشاف وتكوين “مجتمع من المبدعين”، وتحفيز الإبداع والابتكار، كما تقدم أجنحة الدول أبرز الأفكار المبتكرة التي تمثل إسهامها في خلق عالم أفضل.

7- الاحتفاء بالتراث الثقافي المشترك: لا يعني الاهتمام بالتقدم والمستقبل الانقطاع عن الماضي، حيث يحتفي المعرض بالتراث الثقافي المشترك للإنسانية والتاريخ الثري للحضارات القديمة للاسترشاد بقوة الثقافة والتفاعل الإنساني في بناء مستقبل للتعايش الإنساني، حيث يتم الاحتفاء بالحضارات القديمة والفنون والعمارة والتحنيط والآثار وغيرها من مظاهر التراث الإنساني المشترك.

ختاماً، يدفع تركيز “إكسبو 2020” في دبي على الفرص لتعزيز الاعتقاد في قدرة البشر على التغيير وإحداث فارق في مجتمعاتهم والعالم من خلال الابتكار والإبداع والتطوير المستمر، والتركيز على الاستدامة والحفاظ على الموارد، وهو ما يتطلب تغيير أنماط التفكير التقليدية التي تركز على المخاطر والتهديدات، والانتقال إلى التركيز على خلق الفرص حتى في أوقات الأزمات والاضطرابات لتحقيق عوائد مشتركة للأفراد والمجتمعات والعالم بأسره.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%ad%d8%b8%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%b1%d9%82%d8%a9/