عودة أمريكا:

دلالات خطاب السياسة الخارجية للرئيس جو بايدن
عودة أمريكا:
21 أبريل، 2021

وجّه الرئيس الأمريكي جو بايدن في 4 يناير 2021 أول خطاب له عن السياسة الخارجية الأمريكية، وقد كان لافتًا حرص بايدن على إلقاء أول خطاب عن السياسة الخارجية من مقر وزارة الخارجية، وبحضور كل من نائبة الرئيس كامالا هاريس، ووزير الخارجية أنتوني بلينكن، وقد رفع بايدن في خطابه شعار عودة أمريكا، مؤكدًا عودة الدبلوماسية الأمريكية، مشيرًا إلى العلاقة القوية بين السياسة الخارجية والأوضاع الداخلية، ويمكن تناول أبرز قضايا السياسة الخارجية التي تناولها خطاب الرئيس الأمريكي؛ وذلك على النحو التالي:

1– رفع شعار “عودة أمريكا” و”الدبلوماسية أولًا”: ركَّز بايدن، في مستهل خطابه، على أن الولايات المتحدة قد عادت، وأنها سوف تعود للقيادة من خلال الدبلوماسية، وتعزيز التحالفات، ومواجهة الأنظمة الدكتاتورية في العالم، وحماية الديمقراطية والعدالة، وأن العالم يحتاج إلى الولايات المتحدة لتقود من جديد؛ وذلك لمواجهة الأزمات المُلحَّة التي تواجهه في الوقت الحالي.

2– تأكيد مركزية الدبلوماسية الأمريكية: أشار بايدن أكثر من مرة إلى أن الدبلوماسية الأمريكية قد عادت، مشددًا على ضرورة الالتزام بالقيم الدبلوماسية الأمريكية، المتمثلة في الحرية والديمقراطية وحكم القانون، منتقدًا الإدارة الأمريكية السابقة التي تجاهلت هذه القيم في السنوات الماضية؛ ما أضر بصورة الولايات المتحدة في العالم، بل اعتبر أن الإدارة الأمريكية السابقة قد دفعت الأمور، وعلى نحو غير مسبوق، إلى حافة الهاوية في الأيام الأخيرة. ومن ثم، أكد بايدن ضرورة معالجة كل المشاكل التي تسبَّبت فيها هذه الإدارة.

كما شدد بايدن على أن الدبلوماسية يجب أن تكون الوسيلة الأساسية، سواء في التعامل مع الحلفاء أو مع الخصوم؛ من أجل ضمان تحقيق مصالح الولايات المتحدة في العالم. وفيما يتعلق بالنقطة الأخيرة، أشار بايدن إلى تمديد الولايات المتحدة العمل باتفاقية “ستارت” مع روسيا لضمان عدم تزايد الأسلحة النووية في العالم.

3– الربط بين السياسة الخارجية والأوضاع الداخلية: أكدت نائبة الرئيس كامالا هاريس أن القوة الأمريكية تبدأ من الداخل، وأن النجاح في مكافحة الجائحة، وبناء الاقتصاد، ومعالجة المشاكل العرقية؛ هي البداية الحقيقية لسياسة خارجية قوية سوف تحقق مصالح الولايات المتحدة، كما أكد بايدن أن حرص الولايات المتحدة على إعادة الانخراط في قضايا العالم، سوف ينعكس بالضرورة على مصالح وأوضاع المواطنين الأمريكيين في الداخل. وفي هذا الصدد، أعطى مثالًا بأنه عندما تدعم الولايات المتحدة الأنظمة الصحية في العالم في مواجهة الوباء، فإنها بذلك سوف تحمي مواطنيها من تبِعات العدوى والوباء.

 4– تأكيد الشفافية والنزاهة والوفاء بالالتزامات: اعتبر بايدن أن الدبلوماسيين الأمريكيين في العالم هم وجه أمريكا. وكان لافتًا تركيز بايدن بقدر كبير على ضرورة تحلي الدبلوماسيين الأمريكيين بقيم الشفافية والنزاهة؛ من أجل تحقيق مصالح الشعب الأمريكي من خلال السياسة الخارجية، مشيدًا بالتضحيات التي يبذلها الدبلوماسيون الأمريكيون وأسرهم، كما تعهد في الوقت ذاته بأن الولايات المتحدة سوف تركز في الفترة القادمة على الوفاء بالتزاماتها الدولية “America Will Deliver”.

5– حشد الحلفاء وإعادة الانخراط في قضايا العالم: كان واضحًا تأكيد بايدن إعادةَ إرساء التحالفات، والانخراط في القضايا العالمية، مثل قضايا الاحتباس الحراري، ومكافحة الجائحة، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، وحكم القانون وغيرها من القضايا؛ وذلك بالتعاون مع دول العالم، وحشد الأصدقاء والحلفاء للعمل معًا. واعتبر بايدن أن العمل مع الأصدقاء والحلفاء ضرورة لضمان تحقيق سياسة خارجية فعالة؛ حيث لا يمكن للولايات المتحدة العمل بمفردها على الساحة الدولية، كما خص بالذكر بعض الدول، مثل كندا والمكسيك وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة وأستراليا.

6– انتهاء سياسة التراخي والتساهل مع موسكو: نوه بايدن بأنه أكد لبوتين أن سياسة تراخي الولايات المتحدة مع روسيا قد انتهت، لا سيما فيما يتعلق بالهجمات السيبرانية الروسية، مشيرًا إلى أنه سوف يرفع التكلفة التي يمكن أن تدفعها روسيا من جراء سياساتها. وانتقد بايدن بشدة اعتقال السلطات الروسية المعارض الروسي ألكسي نافالني، معتبرًا أن نافالني فضح الفساد في روسيا، ويجب إطلاق سراحه، كما يجب احترام حقوق الإنسان، وعدم قمع التجمعات السياسية في روسيا، معتبرًا أن هذه الأمور تعتبر مَبعث قلق للأسرة الدولية.

7– إدانة الانقلاب العسكري في ميانمار: انتقد بايدن بقوة استيلاء الجيش على السلطة في ميانمار، مؤكدًا ضرورة ترك الجيشِ السلطةَ، وإطلاق سراح المعتقلين فورًا، كما نوه بالعمل على حشد المجتمع الدولي للتعاطي مع الانقلاب، وإعادة إحلال الديمقراطية وحكم القانون في ميانمار.

8– التنافس مع الصين من موقع قوة: فيما يتعلق بالصين، انتقد بايدن الانتهاكات الاقتصادية الصينية، وكذلك ما اعتبره انتهاكات لحقوق الإنسان، والملكية الفكرية في الصين، مؤكدًا أن الولايات المتحدة سوف تتنافس مع الصين من موقع القوة، كما ستتعامل مع الحلفاء في المؤسسات الدولية من أجل ضمان وفاء الصين بالتزاماتها.

9– حث الدول على الالتزام بسياسات المناخ: أشار بايدن إلى أنه وقَّع أمرًا تنفيذيًّا بالعودة إلى اتفاقية باريس للمناخ، معتبرًا أن هذه خطوة ضرورة لتحقيق أهداف المناخ، كما أكد بايدن أن الولايات المتحدة سوف تعمل على حث وإقناع دول العالم بالحد من انبعاثات الكربون والالتزام بسياسات المناخ، مشيرًا إلى التزام الولايات المتحدة بالمبادئ الأخلاقية في السياسة الخارجية.

10– تكثيف الجهود الدولية لمواجهة الجائحة: أكد بايدن ضرورة تكثيف الجهود العالمية في مواجهة الجائحة، مشيرًا إلى عودة الولايات المتحدة للعب دور كبير مع منظمة الصحة العالمية في التصدي للوباء، والعمل على التنسيق مع الحلفاء في مواجهته.

11– مراجعة صفقات الأسلحة والتحركات العسكرية: أشار بايدن إلى أنه أعطى تعليمات لوزير الدفاع “لويد أوستن” لمراجعة الإجراءات العسكرية، وصفقات الأسلحة بما ينسجم مع أهداف السياسة الخارجية، ويحقق مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة، مع تأكيد ضرورة مراجعة جميع الوكالات الأمريكية المختصة بهذا الشأن، كما نوه بايدن بإيقاف خطوات سحب القوات الأمريكية من ألمانيا.

12– إيقاف حرب اليمن: أفرد بايدن جزءًا من خطابه لحرب اليمن، مؤكدًا ضرورة وضع حد لهذه الحرب؛ لما سببته من مشاكل إنسانية كبيرة على حد قوله، مشيرًا إلى وقف كل الدعم الأمريكي للعمليات العسكرية في اليمن، بالإضافة إلى وقف مبيعات الأسلحة إلى السعودية.

وشدد بايدن على ضرورة إحلال السلام، ووقف إطلاق النار في اليمن، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى الشعب اليمني، كما أشاد بايدن بتعيين مبعوث أمريكي جديد إلى اليمن، وضرورة عمله على حث جميع الأطراف على الوصول إلى حلول دبلوماسية للصراع في اليمن. وفي الوقت نفسه، أشار بايدن إلى العمل على مساعدة السعودية في حماية شعبها من الصواريخ التي تطلق من اليمن.

13– قبول المزيد من اللاجئين: أشار بايدن إلى أن هناك 80 مليون نازح على مستوى العالم، معتبرًا أن الولايات المتحدة سوف تكون الملاذ الآمن للمضطهدين. وفي هذا الصدد، نوه بإعطائه أمرًا تنفيذيًّا بزيادة أعداد اللاجئين في الولايات المتحدة، كما أكد بايدن ضرورة تعزيز حقوق المهمشين في العالم، بالإضافة إلى قيامة بسحب الحظر الذي فُرض على المسلمين لدخول الولايات المتحدة.

14– زيادة مصداقية الولايات المتحدة: أكد بايدن أن سياسات الولايات المتحدة سوف تركز على الحقائق، ومعالجة المشاكل التي توجه العدالة العرقية، وما يتعلق بتفوق العرق الأبيض، ولن يقتصر هذا الأمر على مؤسسة أمريكية واحدة بل سوف يتم تأكيده في جميع المؤسسات، معتبرًا أن تحقيق العدالة والمصداقية في الداخل الأمريكي سوف يساهم في زيادة مصداقية الولايات المتحدة في العالم، ومن ثم سوف يؤدي كل هذا إلى تسهيل نجاح السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

15– تعزيز دور وزارة الخارجية الأمريكية: حرص بايدن على أن يؤكد مرارًا، تعزيز دور وزارة الخارجية، وإعادة الاعتبار للعمل الدبلوماسي، مشيدًا بالخبرات الواسعة التي يتمتع بها الدبلوماسيون الأمريكيون حول العالم، ومشددًا على ضرورة التحلي بأخلاق المؤسسات الدبلوماسية، وفتح باب الحوار والنقاش للتوصل إلى أفضل الآراء، مع احترام حق الاختلاف دون مصادرة للرأي، ودون استهداف كما حصل مع الإدارة السابقة.

وفي الختام، أشار بايدن إلى أن الولايات المتحدة سوف تسعى في المرحلة المقبلة إلى تقديم قوة المثال، لا مثال القوة؛ وذلك بتعزيز المحاسبة والشفافية وحكم القانون، واحترام الحريات، والتنوع، واحترام قوانين التجارة الدولية، والتركيز أكثر على الاستثمار في الدبلوماسية.


https://www.interregional.com/%d8%b9%d9%88%d8%af%d8%a9-%d8%a3%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%83%d8%a7/