كشف حساب:

تقييم سياسات بايدن بعد مرور نحو شهرين على رئاسته
كشف حساب:
17 أبريل، 2021

أدى الرئيس جو بايدن اليمين الدستورية في 20 يناير الماضي، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة العديد من الأزمات والتحديات على الصعيدين الداخلي والخارجي، بعد إخفاقات إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب في مواجهة جائحة كوفيد–19، التي كان لها كبير التأثير على الوضع الاقتصادي الأمريكي، والوضع الصحي للأمريكيين، وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات غير معهودة منذ أزمة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن المنصرم، ناهيك عن تخلي واشنطن عن دورها العالمي. ولذا، تضمنت خطة الرئيس بايدن خلال أول 100 يوم له في البيت الأبيض، التعامل مع تلك التحديات، وقد نجح بايدن في تنفيذ عديد من الأهداف التي وعد بها على المستويين الداخلي والخارجي، بعد مرور نحو شهرين على رئاسته.

إنجازات داخلية

يمكن تناول أبرز الإنجازات التي تم تحقيقها على مستوى الداخل الأمريكي خلال الشهرين الأخيرين؛ وذلك على النحو التالي:

 1– تطعيم أكثر من مائة مليون أمريكي: أعلنت المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، أن الإدارة الأمريكية نجحت في تطعيم أكثر من 126,5 مليون مواطن أمريكي حتى 22 مارس الجاري، وهو ما يعني نجاح الرئيس جو بايدن في تحقيق هدفه المتمثل في تطعيم 100 مليون مواطن أمريكي خلال أول 100 يومٍ له في البيت الأبيض، بل إنه استطاع تحقيق هذا الهدف خلال 60 يومًا فقط من تنصيبه. وحاليًّا تعهَّد بايدن بتطعيم جميع الأمريكيين البالغين بحلول عيد الاستقلال الوطني الأمريكي الموافق الرابع من يوليو القادم.

2– تمرير خطة الإغاثة الخاصة بكورونا: نجح بايدن في إقناع الكونجرس الأمريكي، عقب أشهر من المماطلة، في تمرير خطة الإغاثة الخاصة بالجائحة، التي تبلغ قيمتها نحو 1,9 تريليون دولار، والتي بموجبها سيتم تقديم شيكات تحفيزية للمواطنين تبلغ قيمتها 1400 دولار للعاطلين عن العمل، و5600 دولار للزوجين اللذين يمتلكان طفلين، كما سيتم تخصيص مبالغ مالية أخرى لدعم برامج الطعام المختلفة داخل الولايات المتحدة؛ وذلك في إطار المساعدة للحفاظ على الأمن الغذائي والاقتصادي للمواطنين، بالتزامن مع استمرار الجائحة.

وتجدر الإشارة إلى أن وزيرة الخزانة الأمريكية جانيت يلين، قد أعلنت في أكثر من مناسبة عن أن تمرير خطة الإغاثة سيساعد على تحقيق نمو الاقتصاد الأمريكي مجددًا، وعلى تدارك خسائر اقتصادية كبيرة محتملة الوقوع مع استمرار الجائحة.

3– التنوع العرقي بالإدارة الأمريكية: أوفى بايدن بما وعد به طوال حملته الانتخابية بأن تشهد إدارته تنوعًا عرقيًّا غير مسبوق، في وقتٍ تواجه فيه الولايات المتحدة تظاهرات من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية؛ حيث اختار شخصيات ذات خبرة تأتي من خلفيات ثقافية وعرقية مختلفة، كما عمل على زيادة تمكين المرأة والأمريكيين من أصول مختلفة؛ إذ إن من الملاحظ وجود نسبة كبيرة من النساء داخل إدارة بايدن، ووصولهن إلى مناصب كبرى في سابقةٍ أولى من نوعها، وتعيين الأمريكيين من أصول إفريقية وآسيوية ولاتينية في حقائب وزارية مختلفة. ولعل هذا يحقق وعوده المتعلقة بالقضاء على العنصرية، وتحقيق المساواة داخل المجتمع الأمريكي.

4– اتخاذ قرارات مهمة لصالح بعض الأمريكيين: ألغى بايدن قرار الحظر المفروض على انضمام المتحولين جنسيًّا والمثليين إلى الجيش الأمريكي، كما ألغى قرار ترامب المتعلق بمنع مسلمي سبع دول من دخول الولايات المتحدة، وقدَّم مشروع الحلم الخاص بالهجرة للكونجرس الأمريكي، الذي بموجبه سيتم تسهيل إجراءات الهجرة والحصول على الجنسية داخل الولايات المتحدة، وقد عمل على توسيع نطاق التطعيم والتصويت بالولايات الأمريكية.

إنجازات على المستوى الخارجي

تعددت الإنجازات التي حققها بايدن منذ بدء فترته الرئاسية؛ وذلك على النحو التالي:

1– عودة الانضمام إلى المنظمات والاتفاقيات الدولية: عاود الرئيس جو بايدن التوقيع على الاتفاقيات التي انسحب منها سلفه دونالد ترامب، كما وعد سابقًا، والتي تمثلت في اتفاقية باريس للمناخ، كما عاود الانضمام إلى مجلس حقوق الإنسان العالمي التابع للأمم المتحدة، وإلى منظمة الصحة العالمية، موضحًا أن الإدارة الأمريكية ستُسخِّر موارد ضخمة لدعم المنظمة للمساعَدة على تعزيز دورها في مواجهة الجائحة العالمية، ومساعدة المتضررين.

2– التحرك لإنهاء الحروب الطويلة الأمد: تتحرك الإدارة الأمريكية للبحث في مدى صحة الاستمرار في سحب القوات الأمريكية من مختلف المناطق في العالم؛ حيث أعلن بايدن أن إدارته تعاود دراسة طبيعة القرارات التي اتخذها ترامب، المتعلقة بسحب القوات الأمريكية، وتم تجميد بعض قرارات الانسحاب لحين البت في الأمر.

3– وقف الدعم الأمريكي للتحالف العربي في اليمن: قامت إدارة بايدن بإيقاف الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية للسعودية وغيرها من الحلفاء في حربها باليمن؛ رغبةً من التخلص من الأزمة الإنسانية التي خلَّفتها هذه الحرب، وهو ما أظهر بعض النتائج الإيجابية مؤخرًا؛ إذ أعلنت السعودية عن مبادرة لوقف إطلاق النار داخل اليمن، وهي خطوة قد تساعد على إنهاء الحرب اليمنية.

4– إعادة تعزيز التحالفات والشركات الدولية: لم تدخل إدارة بايدن في حرب باردة مع الصين أو روسيا، إلا أن الصراع السيبراني والخطابي بينهم على أشُدِّه. وفي سبيل ذلك، تسعى إدارة بايدن إلى تعزيز تحالفاتها الخارجية مع الدول الآسيوية والأوروبية من أجل مواجهة النفوذ الروسي والصيني، إلا أن بناء تلك التحالفات وانتظار نتائجها يتطلب صبرًا طويل الأمد من قبل الإدارة الأمريكية.

5– تراجع نسبي لأهمية الشرق الأوسط: من الملاحظ تراجع الأهمية التي يمنحها الرئيس بايدن لمنطقة الشرق الأوسط في سياسته الخارجية، وقد ظهر ذلك في تأخُّر اتصالاته بقادة المنطقة، وفي تعيينه مستشارين خاصين بالصين والمناخ ولكوفيد–19، وفي تقليص الفريق الخاص بالشرق الأوسط في فريق الأمن القومي الخاص بإدارته. ويُعزَى هذا السلوك إلى نقص الموارد داخل الولايات المتحدة، وعدم الرغبة في إهدارها على أزمات منطقة الشرق الأوسط الطويلة الأمد.

وكذلك بسبب تراجع أهمية المنطقة بالنسبة إلى المصالح والأمن القومي الأمريكي، مقابل تصاعد المخاطر الناجمة عن الصين وروسيا في مناطق أخرى؛ لذلك تسعى إدارة بايدن، كما كان الحال في إدارتي أوباما وترامب، إلى الانسحاب من المنطقة، إلا أن هذا من شأنه أن يأتي بنتائج سلبية على الولايات المتحدة؛ بسبب تصاعد نفوذ قوى أخرى مثل روسيا والصين.

تقييم خطوات بايدن

يمكن تقييم الفترة التي قضايا بايدن في الحكم؛ وذلك على النحو التالي:

1– تزايد شعبيته بين الأمريكيين: وفقًا لأحد استطلاعات الرأي الحديثة، تجاوزت شعبية الرئيس جو بايدن 54%، ويأتي ذلك بسبب رضا المواطنين الأمريكيين –وخاصةً المنتمين إلى الطبقات المتوسطة والفقيرة– عن تمرير خطة التحفيز الاقتصادية، وعن نجاح الإدارة في توفير لقاحات كورونا؛ حيث أظهر استطلاع رأي أجراه مركز بيو للأبحاث أن 70% من المواطنين الأمريكيين يُفضِّلون خطة التحفيز الاقتصادية الخاصة ببايدن؛ منهم 41% من الجمهوريين. وجديرٌ بالذكر أن زيادة شعبية الرئيس، ستمنحه شرعية أكبر، كما ستجعل قراراته تحظى بقبول واسع في الأوساط الأمريكية.

2– غياب القدرة على توحيد الجبهة الأمريكية: لم ينجح الرئيس جو بايدن في توحيد الجبهة الأمريكية بين الجمهوريين والديمقراطيين داخل الكونجرس الأمريكي؛ حيث لم يؤيد أي جمهوري بمجلس الشيوخ خطة التحفيز الاقتصادي الخاصة به، كما أن هناك تشريعات عديدة عالقة بسبب عدم قدرتها على الحصول على أغلبية الأصوات بالمجلس، فضلًا عن أن رغبة بايدن في تعديل آلية التعطيل داخل المجلس، الذي سيقتضي الحصول على أغلبية نسبية بدلًا من توفير 60 صوتًا لتمرير القرارات؛ ستدفع الجمهوريين إلى اتخاذ نهج أشد عدوانيةً تجاه الديمقراطيين.

3– انتقادات من التقدميين الديمقراطيين: يواجه الرئيس بايدن انتقادات من الجناح التقدمي بالحزب الديمقراطي؛ لعدم قدرته على رفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولارًا بالساعة كما وعد سابقًا، وكذلك بسبب عدم معاقبته ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بعد صدور تقرير الاستخبارات الوطنية الذي يحمل اتهامات غير مباشرة له بمقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، كما أن التقدميين ينتقدون بايدن بسبب تصريحاته المتعلقة بالمهاجرين على الحدود الجنوبية الأمريكية، التي تتشابه في محتواها مع تصريحات ترامب، على الرغم من وعود بايدن بالتعامل بطريقة أكثر إنسانيةً مع ملف المهاجرين.

فضلًا عما سبق، يواجه بايدن انتقادات أخرى تتعلق بعدم قدرته على ردع الخطر النووي الناجم عن كوريا الشمالية، ودفع إيران إلى العودة للاتفاق النووي الإيراني، بسبب اشتراط الأخيرة رفع العقوبات التي فرضها ترامب أولًا قبل التفاوض، بل الذهاب إلى حد تنفيذ ضربات ضد أهداف أمريكية في العراق للضغط على إدارة بايدن للاستجابة لشروطها.

4– قلق من كبر سن بايدن: تُظهر بعض التحليلات أن هناك قلقًا كبيرًا من قدرة الرئيس بايدن على استكمال مدته الرئاسية؛ بسبب بعض التعليقات التي يخرج بها، والتي توضح نسيانه الكثيرَ من الأمور، خاصةً أنه يبلغ من العمر نحو 78 عامًا، كما أن بايدن ينال انتقادات مختلفة بسبب عدم خروجه في مؤتمر صحفي مباشر حتى الآن، بعد مرور نحو شهرين على رئاسته، وهي سابقة أولى مقارنةً بأسلافه العشرة الذين خرجوا في مؤتمرات صحفية بعد فترات قليلة من وصولهم إلى المكتب البيضاوي، إلا أن البعض يفسر هذا الأمر بخوف البيت الأبيض من الوقوع في الكثير من الأخطاء أثناء حديثه نتيجةً افتقاره القدرة على التركيز الشديد، وهو ما قد يتسبب في إثارة البلبلة داخل المجتمع الأمريكي.

خلاصة القول، على الرغم من تنفيذ بايدن بعض الوعود الانتخابية، فإنه لا تزال هناك العديد من الملفات العالقة التي لم ينجح في معالجتها بعدُ، وعلى رأسها ملفات الهجرة والأجور والتمييز العنصري على المستويات الداخلية. أما على المستويات الخارجية، فإن حدة التنافس قد تزايدت بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا، وهو ما يتطلب من الإدارة الأمريكية التحرك بطريقة أكثر سرعةً لمواجهة المخاطر التي تفرضها موسكو وبكين وتهديداتهما للمصالح والأمن القومي الأمريكي، كما أن بايدن لم ينجح حتى الآن في ردع السلوك الإيراني العدواني بمنطقة الشرق الأوسط.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%83%d8%b4%d9%81-%d8%ad%d8%b3%d8%a7%d8%a8/