معضلة برلين:

ماذا بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية في ألمانيا؟
معضلة برلين:
28 سبتمبر، 2021

أسفرت الانتخابات التشريعية الألمانية، التي جرت في 26 سبتمبر الجاري، عن فوز الاشتراكيين الديمقراطيين وذلك بنسبة 25.7% من الأصوات، فيما حصل المحافظون (الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي) على نسبة 24.1% من الأصوات، وهي النسبة الأسوأ في تاريخ المحافظين، حيث لم يسبق لهم أن حصلوا على نسبة أقل من 30% في الانتخابات الألمانية. وحل حزب الخضر ثالثاً بنسبة 14.8%، وجاء خلفه الحزب الديمقراطي الحر بنسبة 11.5%. كما شهدت الانتخابات تراجعاً كبيراً لحزب (البديل من أجل ألمانيا) الذي حصل على 10.3% فقط من الأصوات، بعد أن كان ثالث أكبر الأحزاب في انتخابات 2017.

وفي ظل هذه النتائج، يُتوقع أن تشهد ألمانيا مرحلة من التجاذبات السياسية بسبب المداولات الصعبة المتوقعة لتشكيل الحكومة المقبلة، وترتبط صعوبة عملية تشكيل الحكومة الجديدة وتعقيدها، بتقدم الاشتراكيين بفارق ضئيل على المحافظين، فضلاً عن صعوبة الوصول إلى أغلبية وائتلاف حاكم في البرلمان الجديد بسبب تشرذم الأصوات. ويمكن استعراض الخريطة السياسية التي أفرزتها نتائج الانتخابات الألمانية الأخيرة، والحسابات الخاصة بمنصب المستشار وتشكيل الحكومة الائتلافية في ضوء تلك النتائج، وذلك من خلال ما يلي:

1- تقدم الاشتراكيين على حساب المحافظين: أظهرت النتائج الرسمية الأولية المتعلقة بالانتخابات الألمانية، فوز الاشتراكيين الديمقراطيين في الانتخابات التشريعية الألمانية، وذلك بنسبة 25.7% من الأصوات، فيما حصل المحافظون (الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي) على نسبة 24.1% من الأصوات، وهي النسبة الأسوأ في تاريخ المحافظين، حيث لم يسبق لهم أن حصلوا على نسبة أقل من 30% في الانتخابات الألمانية، أما حزب الخضر فقد حل ثالثاً بحصوله على نسبة 14.8%، وجاء خلفه الحزب الديمقراطي الحر بنسبة 11.5%.

2ارتفاع أعداد مقاعد البوندستاج الجديد: أفادت لجنة الاقتراع الألمانية بأن عدد نواب البرلمان الألماني الجديد “البوندستاج” سيزداد بعد الانتخابات الأخيرة من 709 نواب إلى 735 نائباً. وقالت اللجنة، بعد انتهاء عملية فرز الأصوات في كل المناطق الألمانية التي جرت فيها الانتخابات، إن أكبر كتلة في البرلمان الجديد سيشكلها الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني بواقع 206 مقاعد.

وبحسب لجنة الاقتراع، ستحصل كتلة الاتحادين المسيحي الديمقراطي والمسيحي الاجتماعي على 196 مقعداً، كما سيحصل حزب الخضر على 118 مقعداً، وحزب الديمقراطيين الأحرار على 92 مقعداً، وحزب البديل من أجل ألمانيا على 83 مقعداً. ووفقاً للجنة، لم يتجاوز حزب اليسار نسبة الـ 5% الضرورية، لكنه حصل على 3 انتدابات مباشرة، وبالتالي حصل على الحق في تشكيل كتلة في البرلمان، وسيكون له 39 مقعداً.

3- حسابات معقدة لتشكيل الحكومة الجديدة: تشير بعض التقديرات إلى أن ألمانيا، التي كانت رمزاً للاستقرار في عهد “ميركل”، سوف تشهد مرحلة من التجاذبات السياسية، بسبب المداولات الصعبة المتوقعة لتشكيل الحكومة المقبلة، وترتبط صعوبة عملية تشكيل الحكومة الجديدة وتعقيدها، بتقدم الاشتراكيين بفارق ضئيل على المحافظين.

يُضاف لذلك صعوبة الوصول إلى أغلبية وائتلاف حاكم في البرلمان الجديد بسبب تشرذم الأصوات، وهو ما يعني أن مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة سوف تحتاج إلى وقت أطول. ويُشار -في هذا الصدد- إلى أن ألمانيا شهدت عقب الانتخابات التشريعية الماضية في 2017، استمراراً لمباحثات تشكيل الائتلاف الحكومي لمدة 6 أشهر، وهو ما تسبب في حالة من الشلل السياسي في البلاد حينها.

4- تنافس كبير على تشكيل الائتلاف الحكومي: بدأ المحافظون والاشتراكيون الديمقراطيون في الصراع من أجل تشكيل الحكومة الجديدة، حيث أعرب مرشح الحزب الديمقراطي الاشتراكي لمنصب المستشار “أولاف شولتس” عن تطلعه لتشكيل الحكومة الجديدة، وقال: “المواطنون يريدون تغييراً، يريدون أن يكون مرشح الحزب الاشتراكي الديمقراطي هو المستشار المقبل”، مضيفاً: “إنها رسالة مشجعة وتفويض واضح للتأكد من تشكيل حكومة ذات نهج عملي وتتسم بالفاعلية من أجل ألمانيا”.

أما مرشح المحافظين “آرمين لاشيت”، فقد أشار إلى عدم استعداد المحافظين للجلوس في مقاعد المعارضة، وقال إن الانتخابات بمثابة “سباق محتدم”، منوهاً إلى أن المحافظين ليسوا مستعدين بعد للتنازل عن السلطة، وأضاف “لاشيت” محاولاً اجتذاب الأحزاب الصغيرة: “لم يكن المستشار دائماً من الحزب صاحب المركز الأول. أريد حكومة كل شريك فيها له دور ظاهر، لا حكومة تُسلَّط الأضواء فيها على المستشار فحسب”.

5- رهن حسم السباق بتفضيلات الأحزاب الصغيرة: تشير بعض التقديرات إلى أن أحد السيناريوهات المطروحة بقوة في ألمانيا، هو تحالف الاشتراكيين الديمقراطيين مع حزب الخضر الذي حل ثالثاً في الانتخابات بحصوله على 14.8% من الأصوات (118 نائباً)، فضلاً عن الحزب الديمقراطي الحر الذي حصد 11.5% من الأصوات (92 نائباً)، بما يضمن الوصول للنصاب المطلوب عبر تحالف هذه الأحزاب الثلاثة، لكن التباينات الأيديولوجية والسياسية بين هذه الأحزاب تظل عائقاً أمام تشكيل هذا التحالف.

كذلك يمكن أن يتحالف الاتحاد المسيحي الديمقراطي، وحزب الخضر، والحزب الديمقراطي الحر، وهو تحالف لم يتشكل في مفاوضات تشكيل الائتلاف الحكومي عام 2017 بسبب رفض “الخضر” و”الديمقراطي الحر” الانخراط في تحالف تقوده “ميركل”، وبالتالي قد يمثل خروج “ميركل” من المشهد عاملاً محفزاً لإنجاز هذا التحالف.

وفي المجمل، عكست هزيمة المحافظين في الانتخابات تراجع شعبيتهم في الشارع الألماني بشكل غير مسبوق. ومن المتوقع أن تزداد حدة الاستقطاب السياسي في الساحة الألمانية في الفترة المقبلة في ضوء النتائج التي أفرزتها الانتخابات، كما تُنبئ النتائج عن أن شوكة المعارضة ستكون قوية في البوندستاج. وسيبقى حسم منصب المستشار وتشكيله الحكومة الائتلافية مرهوناً بتفضيلات الأحزاب الصغيرة واختيارها بين الاشتراكيين والمحافظين.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%85%d8%b9%d8%b6%d9%84%d8%a9-%d8%a8%d8%b1%d9%84%d9%8a%d9%86/