التحديث الدفاعي:

ما الذي يكشفه الكتاب الأبيض لوزارة الدفاع اليابانية؟
التحديث الدفاعي:
28 يوليو، 2022

للقراءة بصيغة PDFHTML tutorial


يكتسب الكتاب الأبيض الصادر عن وزارة الدفاع اليابانية، يوم 22 يوليو الجاري، أهمية كبيرة في ضوء السياقين الدولي والإقليمي المتزامنين مع توقيت صدوره؛ فخلال الفترة الأخيرة، تزايد الحديث عن مساعي اليابان إلى تعزيز قدراتها الدفاعية في ظل الهواجس الدولية التي خلقتها الحرب الأوكرانية، ناهيك عن حضور اليابان طرفاً هاماً في المنافسة المشتعلة حالياً بين الولايات المتحدة والصين في منطقة ما وراء المحيطين الهندي والهادي؛ وذلك عقب اغتيال رئيس وزرائها السابق “شينزو آبي” أحد أهم رواد ومخططي استراتيجية منطقة ما وراء المحيطين الهندي والهادي، التي تبنتها الولايات المتحدة والدول الموالية لها مؤخراً. وهكذا يبدو أن الكتاب الأبيض يؤكد، بشكل أو بآخر، أن حياد اليابان السياسي قد أصبح جزءاً من الماضي، كما أنه يعزز مرة أخرى المخاوف العالمية القاضية بإمكانية اشتعال حرب أخرى في آسيا، بما يضاعف حالة عدم الاستقرار السياسي سياسياً واقتصادياً.

بنود رئيسية

يصدر الكتاب الأبيض سنوياً عن وزارة الدفاع اليابانية، التي تساهم بدورها في تقديم رؤية واضحة ومحددة لوضع المؤسسة العسكرية اليابانية، وكيف تنظر طوكيو إلى التطورات الأمنية والعسكرية بمختلف بقاع ودول العالم. وقد نشرت الطبعة الأولى للتقرير في عام 1970، وسرعان ما تضاعف حجم التقرير عبر السنوات، بفعل توسع مفهوم الأمن التقليدي وغير التقليدي، بما يشمل مجال الفضاء والأمن السيبراني، ناهيك عن الحشد العسكري للصين وتطوير كوريا الشمالية دفاعاتها النووية والصاروخية. وفي هذا الإطار، تضمن الكتاب الأبيض الصادر في 22 يوليو 2022، عدداً من البنود الرئيسية المتمثلة فيما يأتي:

1– تأكيد ضرورة زيادة الإنفاق العسكري: قارنت الوثيقة هذا العام بين نفقات الدفاع الوطني لدى دول مجموعة الاقتصادات السبعة الكبرى وكوريا الجنوبية وأستراليا، وأشارت إلى أن النفقات الدفاعية في الولايات المتحدة تمثل نحو 3.12% من الناتج المحلي للبلاد، بينما تمثل النفقات الدفاعية لكوريا الجنوبية 2.57% من ناتجها الإجمالي المحلي، في الوقت ذاته تقف النفقات الدفاعية في اليابان عند أقل من 1%. بالإضافة إلى ذلك، تنفق أستراليا، وكوريا الجنوبية، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا ما يقرب من ضعفين إلى ثلاثة أضعاف ما تنفقه اليابان على الدفاع لكل فرد. وعليه، ذكر الكتاب الأبيض أن هذه المعطيات، وكذلك الوضع الذي تتزايد فيه حدة تهديدات البيئة الأمنية حول اليابان بوتيرة غير مسبوقة، تحتم على طوكيو تعزيز قدراتها الدفاعية بدرجة كبيرة.

ويرتبط هذا التوجه أيضاً بدعوة “الحزب الليبرالي الديمقراطي” الحاكم الحكومة إلى زيادة ميزانية الدفاع لأكثر من 2% من الناتج الإجمالي المحلي. ومع ذلك، فإن وفاة رئيس الوزراء السابق “شينزو آبي”، الذي كان دافعاً رئيسياً لزيادة الميزانية، قد يكون لها تأثير على النقاش حول نفقات الدفاع.

2- الترويج لأهمية التطورات التكنولوجية في المجال الدفاعي: تضمن الكتاب الإشارة إلى تأثير العلم والتطورات التكنولوجية على الأمن والأهمية المتزايدة لعلوم الفضاء والمجالات الكهرومغناطيسية. وذكر الكتاب أن ضمان التفوق التكنولوجي لليابان يتطلب “زيادة الاستثمار في التقنيات التي من المحتمل أن تغير قواعد اللعبة، وزيادة نفقات البحث والتطوير إلى مستوى قياسي”. وأكد الكتاب ضرورة تقوية القاعدة التكنولوجية من خلال المبادرات الاستراتيجية، وتعزيز البحث والتطوير، والاستخدام الفعال للتقنيات المدنية؛ من أجل ضمان التفوق التكنولوجي لليابان، وزيادة مرونة القاعدة الصناعية لضمان إنتاج معدات عالية الأداء وتوافر تشغيلي عالٍ، والدخول في شراكات خاصة بالتعاون التكنولوجي الدفاعي.

3- بناء قوة دفاع متعددة الأبعاد: أكد الكتاب الأبيض استراتيجية اليابان لبناء قوة دفاع متعددة المجالات a Multi-Domain Defense Force كقدرة دفاعية فعالة. وبحسب الوثيقة ستضمن هذه الاستراتيجية الدفاع عن الأمن الياباني من خلال العمليات المتداخلة التي تدمج القدرات بشكل عضوي في جميع المجالات، بما في ذلك الفضاء الخارجي والفضاء الإلكتروني والطيف الكهرومغناطيسي؛ ما يؤدي إلى تضخيم القدرات العسكرية الإجمالية لليابان، والاستجابة المرنة والسريعة لمتغيرات البيئة الأمنية المعقدة.

4- التخوف من انعكاسات التعاون الروسي-الصيني: حذرت وزارة الدفاع اليابانية، في كتابها الأبيض، من تصاعد التهديدات لأمنها القومي؛ وذلك بفعل التعاون والتنسيق المتزايد بين الصين وروسيا. فمن ناحية شنت روسيا حرباً ضد أوكرانيا، بالتزامن مع التهديد الصيني المتصاعد لتايوان، والتلويح بإمكانية غزوها عسكرياً لضمها إلى الصين بالقوة، ناهيك عن التدريبات العسكرية المشتركة التي تقوم بها السفن والطائرات الصينية والروسية معاً في المناطق المحيطة باليابان. وقد وصفت الورقة مثل هذا التعاون بالخطر المحدق الذي يهدد الأمن والاستقرار العالمي بصفة عامة، والأمن بمنطقة ما وراء المحيطين الهندي والهادي وأوروبا على وجه الخصوص.

5- التحذير من الغزو الصيني لتايوان والاستعداد له: على الرغم من عدم وجود علاقات دبلوماسية رسمية بين تايوان واليابان، فإن الجانبين قد أقاما روابط قوية منذ فترة في عدد من المجالات. وقد وصف الكتاب الأبيض تايوان بأنها “شريك استراتيجي وصديق هام لليابان، نتشارك معه في العديد من القيم الأساسية مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون”. وتناول التقرير أيضاً تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والصين المتعلقة بشأن تايوان، مع تأكيد تبني ذات الرؤية الأمريكية التي ترفض الغزو الصيني المباشر لتايوان، وتدافع عن وضعها السياسي الحالي.

6- توقع خوض دول التحالف الثلاثي (الصين-روسيا-كوريا الشمالية) حرباً في آسيا: تتأهب اليابان للتعاون الروسي الصيني المشترك الذي يقع بالقرب من مياهها الإقليمية. ويشير الخبراء إلى أنه قد تشرع كوريا الشمالية أيضاً في شن عمليات عسكرية متزامنة ضد حلفاء الولايات المتحدة في منطقة ما وراء المحيطين الهندي والهادي، إذا ما قامت الصين بغزو تايوان، وفي هذه الحالة قد تضطر اليابان الى الرد على الجبهات الثلاث: “كوريا الشمالية” و”الصين” و”روسيا”. وقال “كاتسوتوشي كاوانو” رئيس الأركان المشتركة السابق في توضيح لهذه النقطة المذكورة في الكتاب الأبيض: “يجب على اليابان أن تسعى جاهدة لتعزيز قدراتها الدفاعية من خلال افتراض أن الدول الثلاث (روسيا والصين وكوريا الشمالية) التي تشترك جميعها في نفس القيم، سوف تتعاون في اتخاذ إجراءات عسكرية، تهدد أمن واستقرار آسيا عموما واليابان على وجه التحديد”.

تبعات مستقبلية

رسم الكتاب الأبيض عدداً من الخطوط العريضة للسياسة الخارجية اليابانية الجديدة، تعكس نظرة جيواستراتيجية جديدة لليابان تجاه موقعها من النظام الدولي والتحالفات القائمة به. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الكتاب قد ينطوي على بعض التبعات المحتملة على السياسة الخارجية اليابانية الإقليمية والدولية؛ وذلك كالآتي:

1- دعم التحالفات المتعددة الأطراف لمواجهة روسيا والصين: خصصت وزارة الدفاع اليابانية فصلاً كاملاً في الكتاب الأبيض الصادر لهذا العام عن حرب روسيا في أوكرانيا، وآثارها الطويلة الأمد المحتملة على آسيا ومنطقة ما وراء المحيطين الهادي والهندي. وجاء في التقرير أنه “إذا تم التسامح مع العدوان الروسي فقد يعطي ذلك انطباعاً خاطئاً بأن التغييرات الأحادية الجانب في الوضع الراهن مسموح بها في مناطق أخرى، بما في ذلك آسيا”. وقد حملت الورقة أيضاً تحذيرات صريحة من احتمالية تدشين الصين عملية عسكرية مماثلة ضد تايوان.

ومن هذا المنطلق شدد التقرير على ضرورة عدم التسامح مع هذا العدوان من جانب المجتمع الدولي، مع تأكيد أهمية تبني موقف دولي منسق وتأكيد أهمية التحالفات والشراكات الدولية. ومن بين التحالفات التي عبر الكتاب الأبيض عن دعم اليابان الصريح لها، التجمع الثلاثي الذي يجمعها مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا، والتعاون القائم حالياً بين اليابان ودول الاتحاد الأوروبي في عدد من القضايا الدولية.

2- إمكانية التحرك لإقناع الهند بالتماهي مع الإجماع الغربي: أكد الكتاب الأبيض ضرورة دعم التحركات الجماعية، مع التشديد على ضرورة عدم التسامح مع بعض الدول التي تخرج عن هذا الإجماع، في إشارة إلى الهند. وقد خرجت القيادة الهندية عن الإجماع الغربي، في موقفها من الحرب الأوكرانية وروسيا، كما أن واشنطن قد أظهرت تسامحاً مع نيوديلهي في هذا الملف، إلى حد مناقشة إلغاء تطبيق “قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات” على الهند بمجلس النواب الأمريكي، بما يسمح لها بالاستمرار في بناء علاقات وشراكات عسكرية واستراتيجية وأمنية مع روسيا، دون التعرض لمغبة العقوبات الأمريكية، على غرار تركيا سابقاً. وهكذا قد تنشط التحركات اليابانية لإقناع الهند، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، للتوقف عن الخروج عن الإجماع الغربي.

3- تزايد التدهور في العلاقات اليابانية- الصينية: رفضت الصين بشدة ما جاء في الكتب الأبيض الياباني، وبادر سفيرها في طوكيو إلى تسليم الحكومة اليابانية احتجاجاً رسمياً على هذا التقدير الاستراتيجي للأوضاع في المنطقة. وقد قال “وانج وين بين” المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية في تصريحات للصحافة الصينية والأجنبية إن “الكتاب الأبيض الصادر عن وزارة الدفاع اليابانية مؤخراً، يوجه اتهامات غير واقعية، ويشوه سياسة الصين الدفاعية وجهودها في مجال تنمية اقتصاد السوق والأنشطة البحرية المشروعة”. وأضاف “وانج” أن التقرير يبالغ فيما يسمى التهديد الصيني، ويتدخل في الشؤون الداخلية للصين فيما يتعلق بتايوان.

4- مضاعفة التوتر في العلاقات اليابانية-الكورية الجنوبية: رفضت كوريا الجنوبية أيضاً بدورها ما ورد في الكتاب الأبيض حول مطالبة اليابان المستمرة بسيادتها على جزر “دوكدو”، التي تطلق عليها اليابان جزر “تاكشيما” الواقعة في أقصى الشرق. وقد قال المتحدث باسم وزارة الخارجية في كوريا الجنوبية “تشوي يونج” في تصريح لوكالة أنباء “يونهاب” الكورية الجنوبية إن “حكومة كوريا الجنوبية تحتج على تكرار ادعاء اليابان السيادة على جزر دوكدو التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من أراضي كوريا الجنوبية وفقاً للتاريخ والجغرافيا والقانون الدولي، وتحثها على التراجع عن هذه الادعاءات على الفور”. 

5- التكريس للتنافس في منطقة الهندو-باسيفيك: لا يمكن إغفال أن الوثيقة الصادرة من وزارة الدفاع اليابانية تعيد تأكيد وتكريس التنافس في منطقة الهندو-باسيفيك والاستقطاب الحادث بين الصين من جانب والولايات المتحدة وحلفائها، وفي مقدمتهم اليابان، من جانب آخر. وربما يدلل تأكيد الكتاب الأبيض ضرورة زيادة الإنفاق العسكري الياباني على إدراك طوكيو تصاعد التهديدات الناجمة عن التنافس في المنطقة، وخاصة مع التوترات الجارية حول ملف تايوان والتخوف من تنفيذ بكين عملاً عسكرياً لضم الجزيرة قسراً.

ختاماً.. يدلل الكتاب الأبيض الصادر عن وزارة الدفاع اليابانية مؤخراً على إدراك طوكيو المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، التي تفرض تحديات أمنية عديدة، فمن جهة أولى، أفضت الحرب الأوكرانية عن تحولات كبيرة على الساحة الدولية وأعادت ترتيب بعض التحالفات الدولية، ناهيك عن التخوفات التي أثارتها بشأن الاستقرار في أقاليم مختلفة من العالم. ومن جهة ثانية، تزايدت حالة السيولة الأمنية في منطقة الهندو-باسيفيك في ظل التنافس المحتدم بين الصين والولايات المتحدة على النفوذ في المنطقة. أضف إلى ذلك طبيعة التهديدات غير التقليدية التي تواجهها الدول وتدفع اليابان وغيرها إلى الاهتمام بالاستثمار في التطوير الدفاعي والتكنولوجيا الحديثة للتعاطي مع هذه التهديدات.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/14197/