كرة الثلج:

هل تؤدي احتجاجات كازاخستان إلى تصاعد التهديدات بالفناء الخلفي لروسيا؟
كرة الثلج:
7 يناير، 2022

تشهد كازاخستان أكبر أزمة سياسية منذ تولي الرئيس “قاسم جومارت توكاييف”، منصبه عام 2019، مع اندلاع احتجاجات اقتصادية تحولت لمطالب سياسية بإسقاط النظام الحاكم، مطلع يناير 2022، بدأت بمنطقة “مانجيستاو” كتظاهرات مصحوبة بأعمال شغب وعنف احتجاجاً على ارتفاع أسعار الغاز والنفط مع بداية، سرعان ما انتقلت للعاصمة الاقتصادية للبلاد ألمآتي؛ وفقدت قوات الشرطة السيطرة عليها، مما دفع الرئيس “توكاييف” لإقالة الحكومة ومطالبة منظمة “معاهدة الأمن الجماعي”؛ بقيادة روسيا، بإرسال قوات لحفظ الأمن ببلاده، وهو ما لبته المنظمة، في 6 يناير 2022، الأمر الذي يثير المخاوف بشأن تداعيات عدم الاستقرار بكازاخستان على منطقة آسيا الوسطى التي تتصاعد بها التهديدات الأمنية وصراعات النفوذ، لاسيما بعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان في أغسطس 2021. 

دوافع متشابكة

ويمكن إلقاء الضوء على أبرز دوافع الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة في كازاخستان، منذ مطلع العام الحالي، وذلك على النحو التالي:

1- تحرير أسعار النفط والغاز: بدأتحكومة كازاخستان منذ مطلع العام 2022، في تنفيذ سياسة تحرير سعر بيع النفط والغاز المسال عبر التجارة الإلكترونية بغية إنهاء دعم الأسعار للمستهلكين المحليين، فأصبحت عمليات البيع تتم عبر الإنترنت، بعد تداوله في بورصة الطاقة ما أدى لارتفاع 100% لسعره نظراً لتصاعد الطلب عليه خلال فصل الشتاء، قبل أن تندلع الاحتجاجات في اليوم التالي لتنفيذ القرار، بتظاهر الآلاف من سكان مدينتي جاناوزين وأكتاو في منطقة “مانجيستاو” ثم امتدت الاحتجاجات للعاصمة الاقتصادية ألمآتي.

2- تصاعد الأزمة الاقتصادية بالبلاد: تعاني كازاخستان من أزمة اقتصادية خانقة رغم كونها أكبر اقتصاد دول آسيا الوسطى الخمس ومنتج رئيسي للنفط والغاز، فقد تأثرت البلاد سلباً من خفض أسعار النفط عالمياً، والتداعيات السلبية لتفشي فيروس “كورونا”، مما أدى لانخفاض قيمة العملة الوطنية (التنغي) وارتفاع معدلات التضخم في البلاد.

3- تراجع الأوضاع المعيشية غرب البلاد: تعد منطقة “مانجيستاو” غرب كازاخستان منتجاً رئيسياً للغاز الطبيعي المسال، والذي يعتمد عليه في كافة أشكال الحياة فيها لاسيما خلال فصل الشتاء حيث يستخدم كوقود للسيارات وفي الطهي والتدفئة. فأي رفع في سعره يؤثر على سكان تلك المنطقة التي تعاني من مستوى معيشي أقل كثيراً من العاصمة الجديدة؛ “نور سلطان”، والعاصمة الاقتصادية؛ ألمآتي، حيث تحتاج لإعادة تجديد البنية التحتية والمرافق، مما يدفع مواطنيها للتنقل خارج المدن لشراء حاجاتهم فيتم استهلاك المزيد من الوقود مما يفاقم أزماتهم لاسيما بالشتاء، ودوماً ما يثور سكان تلك المنطقة ويطالبون بالمزيد من الاهتمام الحكومي بمناطقهم الغنية المصدرة للنفط.

4- رفض استمرار هيمنة الرئيس السابق: وجه المحتجون في ألمآتي الانتقادات للرئيس السابق للبلاد؛ “نورسلطان نزارباييف”، ورددوا هتافات “ليرحل الرجل العجوز”؛ في إشارة إليه، وقاموا بإسقاط تمثال عملاق له في مسقط رأسه، وذلك رفضاً لنفوذه السياسي المتجذر بالبلاد. فمنذ استقلال كازاخستان عن الاتحاد السوفيتي السابق عام 1991، تولى “نزارباييف” منصبه خلال ثلاث عقود (1989-2019)، ورغم نجاحه في الحفاظ على استقرار البلاد طوال فترة حكمه وإحداث طفرة اقتصادية بها، إلا أنه اتهم من قبل منظمات حقوق الانسان بقمع المعارضة والسيطرة على وسائل الإعلام، قبل أن يتنحى عن منصبه بعد احتجاجات مشابهة عام 2019. ورغم ذلك إلا أنه بقي متصدراً للمشهد السياسي، حيث تم تكريمه وتسميه العاصمة الجديدة للبلاد باسمه “نورسلطان” كما تم تعيينه رئيساً لمجلس الأمن القومي بكازاخستان حتى يناير 2022. وما زال يتمتع بنفوذ واسع للغاية بالبلاد وعلاقات قوية بروسيا، وتتهمه المعارضة الخارجية بالهيمنة على اقتصاد كازاخستان؛ لاسيما المؤسسات النفطية، وتعيين أقربائه بمناصب مهمة والسيطرة على وسائل الإعلام. 

محاولات للاحتواء

يسعى الرئيس “توكاييف” لإدارة الأزمة بالبلاد وعدم تكرار سيناريو عام 2019 عندما أدت الاحتجاجات العارمة آنذاك لإقالة سلفه “نزارباييف”. وثمة اعتقاد داخل النخبة الحاكمة بكازاخستان أن التظاهرات تتم بتحريض من الخارج وقد دعم ذلك الاعتقاد العنف المتزايد من قبل المتظاهرين وحصولهم على أسلحة حديثة سيطروا بها على مرافق المدينة الاستراتيجية من المستشفيات والمطار خلال يوم واحد. مما يوحي بوجود تنظيم وترتيب مسبق لتلك الاحتجاجات، كما طلب عدد من المحتجين إدانة احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم وهو ما ينذر بوجود صلات خارجية لهم. الأمر الذي كشفه المعارض الكازاخستاني المقيم بفرنسا “مختار أبليازوف” حيث دعا للاستمرار في الاحتجاجات حتى إسقاط نظام “توكاييف” وكل السلطة الحالية معه، وطلب من المحتجين السيطرة على كل مؤسسات الدولة وأعلن عن وجود هيئة تنسيق للاحتجاجات تعمل من العاصمة الأوكرانية كييف التي تعادي موسكو وحلفائها وتتقارب مع واشنطن وحلف الناتو.  ولذا اتخذ “توكاييف” سلسلة من الإجراءات الهامة لإحتواء الأزمة سريعا ومنع التحريض الخارجي ضده، كان أبرزها:

1- إقالات سياسية لامتصاص الغضب الشعبي: أعلن رئيس كازاخستان “توكاييف”، في 4 يناير 2022، عن إقالة رئيس الوزراء “عسكر مامين” وكلّف نائبه “علي خان سميلوف”، وألقى خطابين للشعب أكد فيهما أنه سيقدم مقترحات جديدة بشأن بدء التحول السياسي في البلاد وجدد تأييده لإجراء الإصلاحات المستمرة”. وأكد بقاءه في العاصمة نورسلطان وعدم مغادرته البلاد. ثم دعا المتظاهرين “للحوار القائم على الثقة المتبادلة”. واتهم منفذي أعمال الشغب التي تهزّ البلاد بأنهم “عصابات إرهابية تلقّت تدريبًا عميقًا في الخارج لتقود التظاهرات”. وفي مسعى منه لإحتواء الغضب ضد سلفه “نزارباييف” أعلن، في 5 يناير 2022، إقالتهمن منصبه كرئيس لمجلس الأمن القومي على أن يرأسه “توكاييف” نفسه، كما عين رئيساً جديداً للجنة “أمن الدولة” بالمجلس وأقال أحد أقارب “نزارباييف” منها، وبهذا يصبح الأخير بدون أي سلطة رسمية بالدولة من دون أن يلغي نفوذه الحقيقي على مفاصل الحكم.

2- تراجع الرئيس عن رفع أسعار الغاز: في 4 يناير 2021 وجه “توكاييف” بتشكيل لجنة حكومية لتلبية مطالب المتظاهرين، وعقدت اللجنة اجتماع مع “مجموعة المبادرة لمدينة أكتاو” ممثلي المتظاهرين، وأعلن عن خفض تكلفة الغاز المسال ليصبح 50 تنغي (0.11 دولار) للتر الواحد، ما يعادل خفض الأسعار بنسبة 16%، كما تم وعد المتظاهرين بعدم ملاحقتهم، واتفق الطرفان على حل القضايا الناشئة في إطار الحوار والتشريعات الحالية.

3- فرض قيود أمنية وعسكرية استباقية: أعلن “توكاييف”، في 4 يناير 2022، عن فرض حظر تجول في ألمآتى لمدة أسبوعين تنتهي فى 19 من الشهر نفسه. كما أعلن عن حالة الطوارئ في كافة إرجاء كازاخستان. وتم تعيين رئيس شرطة جديد لمدينة ألمآتي. وتم تقييد الدخول إلى ألماتي والخروج منها، كما تم تعليق دخول كل الأجانب الي البلاد. وعلى الصعيد العسكري فقد طلب “توكاييف” من منظمة “معاهدة الأمن الجماعي” إرسال “قوات لمساعدة كازاخستان لهزيمة التهديد الإرهابي”. وهو ما يضفي الشرعية على تواجد تلك القوات بكازاخستان لأنها جاءت بدعوة من الحكومة الحالية.

تداعيات محتملة

بالنظر إلى أهمية كازاخستان الاستراتيجية من حيث موقعها قلب آسيا الوسطى ومساحتها الشاسعة كتاسع أكبر دولة في العالم، وثرواتها النفطية والمعدنية الكبيرة، وكونها أحد أكبر منتجي اليورانيوم المستخدم في إنتاج الطاقة النووية في العالم، فإن استمرار حالة عدم الاستقرار بها ستؤثر سلباً على الأمن الإقليمي بآسيا الوسطى، بما قد يؤدي إلى عدد من التداعيات المحتملة، يمكن بيانها على النحو التالي:

1- تعزيز الحضور العسكري الروسي بآسيا الوسطى: فقدأعلنت منظمة معاهدة الأمن الجماعي، في 6 يناير2022، والتي تقودها روسيا، وتضم كازاخستان، وبلاروسيا، وأرمينيا، وطاجيكستان، وقرغيزستان، عن إرسال قوات حفظ السلام إلى كازاخستان لفترة محدودة، من أجل استقرار الوضع هناك، وكشفت عن أن وحدات حفظ السلام الروسية تحديداً قد بدأت بالفعل تنفيذ المهام الموكلة إليها. وأعلن مجلس الدوما الروسي تفويض القوات للعمل في كازاخستان لمدة شهر. وستقوم تلك القوات بحماية المنشآت الحكومية والعسكرية المهمة، كما ضمت القوات الروسية وحدات مظلات لحماية القاعدة الفضائية الروسية المتواجدة بكازاخستان (بايكونور).

وتتهم موسكو كلاً من؛ كييف وواشنطن، بدعم وتحريض المحتجين في كازاخستان لإشعال الوضع هناك، ومحاصرة روسيا؛ من الغرب عبر أوكرانيا، ومن الجنوب عبر كازاخستان، كورقة ضغط على موسكو قبيل انعقاد المفاوضات المزمعة بينها وبين واشنطن حول الوضع العسكري في أوكرانيا. وفي حال تمت السيطرة على الاحتجاجات فربما تطلب كازاخستان من موسكو إقامة قاعدة روسية على أراضيها للدفاع عنها وعن النظام الحاكم مستقبلاً، وحال تم ذلك سيكون لموسكو قاعدتين عسكرتين بآسيا الوسطى؛ في طاجيكستان وكازاخستان، في الوقت الذي انتهى الوجود العسكري الأمريكي تماماً من المنطقة بعد الانسحاب من أفغانستان، الأمر الذي سيعزز من النفوذ العسكري الروسي بالمنطقة في ظل التنافس الإقليمي مع كل من؛ الصين والولايات المتحدة.

2- تزايد مخاوف موسكو من عدوى الاحتجاجات بالمنطقة: ستبذل موسكو أقصى جهودها للسيطرة على الاحتجاجات ومنع تغير الحكم في كازاخستان حتى لا تخرج عن دائرة نفوذها، لأن نجاح تلك الاحتجاجات من شأنه تشجيع المعارضة والاحتجاجات بالجمهوريات السوفيتية السابقة ودول آسيا الوسطى بالانقلاب على الحكم الحالي مما يمثل تهديداً للنفوذ الروسي في تلك المنطقة، كما أن انتشار عدم الاستقرار السياسي بالمنطقة بالإضافة للتهديدات الأمنية المستمرة من تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية إثر سيطرة حركة “طالبان” على الحكم بأفغانستان سيؤدي لعدم الاستقرار في الفناء الخلفي لموسكو، وربما تكرار سيناريو “الثورات الملونة” بدول آسيا الوسطى، وهو ما سيؤدي لحروب أهلية وانتشار التنظيمات الإرهابية مما يهدد الأمن والسلم الدوليين، كما يهدد مصالح ونفوذ القوى الكبرى كواشنطن وموسكو وبكين بتلك المنطقة.

3- تحفيز أنشطة واشنطن لشغل موسكو بتفاعلات الجوار: على الرغم من تنديد المتحدثة باسم البيت الأبيض “جين ساكي” بما وصفته بالادّعاءات “المجنونة” من جانب بعض الدوائر بروسيا بشأن تحريض واشنطن على تلك الاحتجاجات والمسؤولية عنها، إلا أنه يمكن القول إن احتجاجات كازاخستان جاءت كهدية عيد الميلاد للرئيس الأمريكي “جو بايدن” حتى لو لم تكن واشنطن المحرض عليها، حيث إنها أظهرت ضعف الفناء الخلفي لروسيا الممثل في دول آسيا الوسطى التي أعلنت موسكو سابقا أنها ستعمل على حفظ الاستقرار والأمن بها المنطقة كجزء من أمنها الإقليمي، ومن ثم يمكن لواشنطن الضغط على موسكو وإشغالها بالتوترات الإقليمية في تلك المنطقة للضغط عليها قبل بدء المفاوضات بين الأمريكية الروسية من جهة، وبين روسيا وحلف “الناتو” من جهة أخرى، منتصف يناير الجاري، حول الحشد العسكري الروسي بأوكرانيا.

وختاماً؛ فإن هناك احتمالين لتطورات الأوضاع بكازاخستان؛ يتمثل أولهما في نجاح قوات حفظ السلام لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي، بقيادة روسيا، في إعادة الاستقرار للبلاد واستعادة السيطرة على مدينة ألمآتي التي تشهدت معظم الاحتجاجات وبدء الإصلاحات السياسية في البلاد كما أعلن الرئيس “توكاييف”. وربما يكون ذلك السيناريو المرجح هو نظراً لعدم وصول الاحتجاجات للعاصمة نورسلطان أو أي مدن رئيسية آخرى كالآستانة، كما أن القوات الروسية لديها خبرة كبيرة في التعامل مع الاحتجاجات العنيفة، بما يعزز من حضور روسيا العسكري والسياسي في المنطقة، فيما يتمثل ثانيهما في استمرار الاحتجاجات والضغط على الرئيس “توكاييف” حتى يترك الحكم لتبدأ مرحلة انتقالية في كازاخستان ربما تكون السلطة الجديدة فيها موالية لواشنطن والغرب، وهو ما سيشكل هزيمة لموسكو وفقدانها أحد حلفائها الكبار في آسيا الوسطى.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/8142/