النخب الصاعدة:

عقد "إنترريجونال" للتحليلات الاستراتيجية، يوم الخميس الموافق 28 سبتمبر 2023، حلقة نقاشية بعنوان "النخب الصاعدة: ملامح التحولات السياسية القادمة في دول أمريكا اللاتينية"؛ حيث تم استضافة "د. ياسمين كالميت" المحاضرة في الجامعة الوطنية بيدرويز دي جالو في بيرو، التي تحدثت عن أبرز الأزمات المحلية التي تعاني منها دول أمريكا اللاتينية، السياسية والأمنية والاقتصادية، وتطرقت إلى جهود دول أمريكا اللاتينية في حل المشكلات المحلية، كما سلطت الضيفة الضوء على أبرز التوقعات الخاصة بمستقبل هذه الدول خلال الربع الرابع من 2023، محذرةً من تزايد التحديات أمام حكومات دول أمريكا اللاتينية.

أزمات متفاقمة 

أوضحت "د. كالميت" أن دول أمريكا اللاتينية تعاني وطأة العديد من الأزمات، التي تتراوح بين أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية؛ وذلك على النحو التالي:

1- معاناة دول أمريكا اللاتينية من تحديات تعيق التنمية: أشارت "كالميت" إلى أنه ثمة تحديات تعوق عملية التنمية في دول أمريكا اللاتينية؛ وذلك في ضوء ما وصفته بـ"فخ التنمية" (Development Trap)، مسندةً ذلك إلى عدة أسباب رئيسية، بدءاً من الأزمة المالية العالمية في 2008، ثم أزمة جائحة كورونا، وما خلفته من ركود وتباطؤ في النمو الاقتصادي، وارتفاع في معدلات التضخم بالمنطقة. ونوهت "د. كالميت" أن بعض الدول بالمنطقة تشهد اضطرابات في أسعار السلع، بالتزامن مع تدني الرواتب، مؤكدةً أن ذلك يعرقل تحقيق الخطط التنموية لعام 2030.

2- شيوع عدم المساواة في توزيع الدخل بأمريكا اللاتينية: أكدت "كالميت" أن دول أمريكا اللاتينية تعاني من مشكلة عميقة فيما يتعلق بعدم المساواة في توزيع الدخل، موضحةً أن مجموعة صغيرة فقط من سكان أمريكا اللاتينية تحصل على 54% من دخل القارة، وهو ما يجعل أمريكا اللاتينية واحدة من أكثر المناطق التي لا يوجد بها مساواة حول العالم، وأضافت أن الأرجنتين والمكسيك والبرازيل هي أكثر ثلاثة دول تعاني وطأة عدم المساواة في القارة؛ هذا فضلاً عن مشكلة الفقر المدقع؛ حيث ازدادت معدلات الفقر والفقر المدقع منذ عام 2016، بعدما انخفضت في الفترة من 2008 إلى 2015.

3- تأجج الغضب الشعبي في عدة دول بأمريكا اللاتينية: أوضحت "كالميت" أن عدداً من دول أمريكا اللاتينية تشهد حالة من الغضب الشعبي، وتصاعداً في حدة الاستقطاب، مشيرةً إلى أن العديد من السكان غاضبون من نقص الفرص في التعليم والعمل، بجانب تدني مستوى المعيشة، وشددت على أن السكان يلومون الحكام على سوء الأحوال الاقتصادية ببلادهم؛ ما يؤدي إلى خروج الاحتجاجات المطالبة بالاستجابة للرغبات الشعبية.

4- تفاوت مدى الرضاء الشعبي عن الحكام بأمريكا اللاتينية: أكدت "كالميت" وجود تفاوت بين دول أمريكا اللاتينية فيما يتعلق بمدى رضاء وثقة المواطنين عن الحكام، موضحةً أن أوروجواي تتصدر قائمة دول القارة فيما يتعلق بنسبة الرضاء، باعتبار مواطنيها هم الأكثر رضاءً عن حكامها وسياسييها، تليها المكسيك وجواتيمالا وتشيلي والأرجنتين، بينما تأتي دول مثل البرازيل وفنزويلا ونيكاراجوا وباراجواي في ذيل القائمة.

5- تراجع الديمقراطية في أمريكا اللاتينية بشكل ملحوظ: وفقاً لـ"كالميت"، تشهد الديمقراطية في أمريكا اللاتينية تراجعاً كبيراً، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى المشكلات المؤسسية العميقة الناتجة عن الممارسات غير القانونية لقادة دول القارة؛ وذلك في ظل إدانة عدد كبير من قادة القارة بارتكاب جرائم في السنوات الأخيرة، بما في ذلك رؤساء سابقون بنحو 11 دولة في القارة قيد السجن أو متهمون في قضايا، بحسب ما أفادت به "كالميت".

6- انقسام أمريكا اللاتينية حول الأيديولوجيات السياسية: أفادت "كالميت" بأن غالبية دول أمريكا اللاتينية تشهد انقساماً حول الأيديولوجيات السياسية؛ وذلك ما بين أيديولوجيا اليمين أو اليسار، وإن كان اليسار يواجه غضباً شعبياً في أغلبية البلدان؛ وذلك لفشله في توفير بيئة سياسية تضمن التمثيل السياسي لجميع الأطراف؛ ما أدى إلى ظهور تيارات متطرفة مثل حالة الرئيس "نجيب بقيلة" في سلفادور. كما انعكس التطرف الأيديولوجي – وفقاً لـ"كالميت" – على العملية الانتخابية في عدد من البلدان، شهدت تنافساً عنيفاً، وصل إلى حد قتل أحد المُرشحين في الإكوادور.

7- تزايد الاضطرابات الأمنية نتيجة تدفق المهاجرين: شددت "كالميت" على أن دول أمريكا اللاتينية شهدت زيادة في الاضطرابات الأمنية نتيجة لتدفق المهاجرين إلى المنطقة، مؤكدةً أنه سيتعين على حكومات أمريكا اللاتينية أن تتعاون بعضها مع بعض للتوصل إلى سياسات مشتركة من أجل مواجهة هذه التحديات. وأشارت "كالميت" إلى أن 35% من نسبة الجرائم على مستوى العالم تحدث في أمريكا اللاتينية، مضيفةً أن معدل الجرائم يزداد بمعدل 3.7% سنوياً، ونوهت أن دول السلفادور، وهندوراس، وجواتيمالا تشهد النسبة الكبرى من معدلات الجريمة.

سياسات متشابكة

بحسب "د. كالميت"، تبنت دول أمريكا اللاتينية سياسات عدة لمواجهة مختلف المشكلات والأزمات التي تواجهها، ويمكن تناول أبرزها عبر ما يلي:

1- محاولة دول القارة حل أزمة الركود الاقتصادي: أكدت "كالميت" لجوء دول أمريكا اللاتينية إلى عدة سياسات لمعالجة أزمة الركود الاقتصادي، بينها تبني نظام لخفض التضخم منذ 3 سنوات، على غرار البرازيل وتشيلي وكولومبيا والمكسيك وبيرو، فضلاً عن اتجاه بعض الدول للتعامل بالدولار الأمريكي، مثل الإكوادور والسلفادور وبنما، موضحةً أنه يوجد بعض الدول التي تمزج بين التعامل بين العملة المحلية وبين الدولار، مثل الأرجنتين وبوليفيا وهندوراس ونيكاراجوا.

2- توسيع أمريكا اللاتينية شراكاتها الاقتصادية العالمية: أشارت "كالميت" إلى أن دول أمريكا اللاتينية اتجهت إلى زيادة عدد شركائها التجاريين في مختلف المجالات بهدف دفع عجلة التنمية بها، لا سيما في مجالات التكنولوجيا والتعليم، فضلاً عن تعزيز ديناميات الابتكار، من خلال تكوين تحالفات تجارية مع دول مثل الصين والسعودية والإمارات والهند. وبحسب "كالميت"، تشير الإحصاءات إلى أن نصيب الصين وحدها من مجمل صادرات أمريكا اللاتينية وصل إلى 14% ، في حين بلغ إجمالي صادرات البرازيل إلى الإمارات على سبيل المثال 890 مليون دولار عام 2022.

وأكدت "كالميت" أن دول أمريكا اللاتينية تساهم بشكل كبير في التجارة الدولية، مشيرةً إلى أنه منذ تعطل سلاسل إمداد بعض الصادرات نتيجة الحرب الأوكرانية، اكتسبت أمريكا اللاتينية زخماً في تصدير العديد من الصناعات والموارد والسلع، مثل البوتاسيوم والغاز الطبيعي والأسمدة، وأضافت أن غابات الأمازون التي تمتد عبر عدة دول في أمريكا اللاتينية، تعد مصدراً رئيسياً للتنوع البيولوجي والمياه العذبة.

3- اعتزام بعض الدول زيادة إيرادات الدولة عبر الضرائب: لفتت "كالميت إلى أن بعض الدول تعمل على زيادة إيراداتها عبر الضرائب، وأشارت في هذا الصدد إلى أن الحكومة البرازيلية ستضغط على الكونجرس الوطني من أجل التصديق على فرض ضرائب على الأموال الخارجية المملوكة للمواطنين، فضلاً عن إغلاق ثغرة تسمح للشركات الكبيرة بدفع ضرائب منخفضة على مدفوعات المساهمين. وبحسب "كالميت"، فإن كلتا الخطتين تشكلان جزءاً من استراتيجية أوسع نطاقاً لزيادة إيرادات الدولة، وخفض العجز الأولي في الميزانية، وتعزيز الأجندة اليسارية التي يتبناها الرئيس "لويس إيناسيو لولا دا سيلفا" لزيادة الضرائب على الأغنياء.

4- إطلاق دول في القارة برامج لخفض معدلات الجرائم: أفادت "كالميت" بأن بعض الدول في أمريكا اللاتينية أطلقت برامج رياضية وتعليمية، في محاولة لاقتلاع جذور الجرائم بها، بالإضافة إلى مشروعات أمنية انطلقت منذ عدة سنوات، مضيفةً أن هناك تركيزاً كبيراً على تعزيز الإجراءات الأمنية للمواطنين في البرازيل والمكسيك وكولومبيا ونيكاراجوا، وأن 50% من إجراءات الأمن للسكان هي جزء من استراتيجية الأمن الوطني.

5- سعي أمريكا اللاتينية إلى التغلب على تحديات الهجرة: بحسب "كالميت"، تبنت حكومات دول أمريكا اللاتينية، العديد من الخطوات للتغلب على تحديات الهجرة، بما في ذلك عقد مؤتمرات لصياغة حلول جديدة، وتبني سياسات لتسهيل سفر الطلاب بين الدول بعضها بعض بغرض الدراسة، مثلما تم بين البرازيل والأرجنتين وبيرو وتشيلي، بهدف تحسين مهارات المهاجرين، والاستفادة من مشاركتهم في التنمية. وأضافت "كالميت" أن السياسات الجديدة المتبناة استهدفت أيضاً تعزيز المؤسسات الديمقراطية، ودعم التحول إلى الاقتصاد الأخضر، والانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى تنشيط السياحة، وتعزيز إجراءات الأمن والحماية للأفراد.

آفاق متوقعة  

تناولت "د. كالميت" عدة توقعات ترجح تزايد التحديات أمام حكومات أمريكا اللاتينية خلال الفترة المقبلة، ويتضح ذلك على النحو التالي:

1- استمرار تدهور البيئة الاقتصادية للأرجنتين: توقعت "كالميت" استمرار تدهور البيئة الاقتصادية للأرجنتين قبل الانتخابات المرتقبة في أكتوبر 2023، وسط ارتفاع معدلات التضخم، وعدم كفاية احتياطيات البنك المركزي، وأضافت أنه إذا فاز الليبرالي "خافيير مايلي" أو المحافظة "باتريشيا بولريتش" بالرئاسة، فمن المرجح أن تثير مقترحاتهما في مجال السياسة الاقتصادية احتجاجات في المدن الكبرى من قبل الناشطين والنقابات.

2- فشل الأرجنتين في تحقيق أهداف صندوق النقد: بحسب "كالميت"، فإنه في إطار وجود بيئة سياسية واقتصادية فوضوية، من المرجح أن تفشل الحكومة الحالية ومرشحها الرئاسي وزير الاقتصاد "سيرجيو ماسا"، في تحقيق أهداف صندوق النقد الدولي؛ حيث ستتوقف الأرجنتين عن تقديم أي إصلاحات بنيوية خلال فترة الحملات الانتخابية، وفي حال خسارة الإدارة الحالية للانتخابات الرئاسية، فإن بوينس أيرس سوف تتخلى عملياً عن أي مفاوضات مع صندوق النقد الدولي، تاركةً القضية للحكومة المقبلة، التي ستتولى السلطة في أوائل ديسمبر.

3- رفض الشعب في تشيلي الدستور الجديد: أفادت "كالميت" بأن هناك توقعات برفض المواطنين في تشيلي النص الدستوري الجديد خلال استفتاء 17 ديسمبر 2023، موضحةً أنه في ظل إشارة حكومة الرئيس التشيلي "جابرييل بوريتش" إلى أنها لن تسعى إلى عملية إعادة ثالثة لصياغة الدستور إذا رفض الناخبون الميثاق المقترح للمرة الثانية منذ عام 2022، فإن هذا قد يعني أن الدستور الحالي في البلاد قد يظل قائماً؛ ما يُنهي سنوات من عدم اليقين بشأن مستقبل القانون الأساسي في تشيلي.

4- استبعاد تنفيذ كولومبيا إصلاحات جديدة: أوضحت "كالميت" أن ائتلاف "باكتو هيستوريكو"، الذي يتزعمه الرئيس الكولومبي "جوستافو بيترو"، لم يعد يسيطر على أغلبية المقاعد في أي من غرفتي مجلس النواب الكولومبي، مشيرةً إلى أن هذا الأمر سيضطر الحكومة إلى الاعتماد على أحزاب سياسية أخرى من أجل تمرير التشريعات، علاوةً على أن فضائح تمويل حملة "بيترو" المستمرة، قد تهدد بكسر أي تحالف للحكومة في الكونجرس. ولفتت "كالميت" إلى أنه حذر العديد من المشرعين من دعم السياسات التي يقترحها "بيترو"؛ خوفاً من أن الظهور بمظهر المتحالف مع الجهات الفاسدة، سيصعب مهمة الحكومة الكولومبية في تنفيذ حزمة الإصلاحات التي تريدها.

5- احتمالية تزايد المخاطر المالية في الإكوادور: أشارت "كالميت" إلى أنه إذا أصبحت المرشحة اليسارية الشعبوية "لويزا جونزاليس" رئيسة جديدة للإكوادور، عقب جولة الإعادة الرئاسية في 15 أكتوبر 2023، فإن مقترحاتها بتوسيع برامج الرعاية الاجتماعية والإنفاق الأمني باستخدام نحو 2.5 مليار دولار من احتياطيات الإكوادور من العملات الأجنبية، من الممكن أن تقلل من قدرة البلاد على الوفاء بالتزامات ديونها المقومة بالعملة الأجنبية، وأضافت أن عدم اليقين هذا قد يؤدي إلى جعل المستثمرين حذرين من السوق في الإكوادور؛ ما سيتسبب في بلوغ ديون الإكوادور مستويات غير مناسبة.

6- حدوث إصلاحات ضريبية إيجابية في البرازيل: رجحت "كالميت" أن يؤدي إصلاح قانون الضرائب في البرازيل إلى تبسيط تحصيل الضرائب (من خلال دمج 6000 قانون مختلف، بين أمور أخرى)، وزيادة فرص الاستثمار على المدى الطويل، موضحةً أن البرلمان البرازيلي سيناقش هذه الإصلاحات، وربما يوافق عليها على مدار هذا الربع، وأشارت إلى أن تبسيط النظام الضريبي من شأنه أن يسهل على الأسر والشركات فهم النظام والامتثال له، مع تخفيف الحواجز أمام الشركات لبدء أعمالها في البرازيل.

وختاماً، شددت "د. كالميت" على أن العديد من الحكومات في أمريكا اللاتينية، سعت لإدارة تدفقات الهجرة غير المسبوقة، خاصةً للفنزويليين، وأوضحت أن تدفقات الشعب الفنزويلي مثلت للدول المجاورة تحدياً كبيراً، فاقم العديد من مشكلات هذه الدول، وعلى رأسها البطالة والفقر وانتشار معدلات الجريمة. وأبرزت "كالميت" تنامي المشاعر السلبية لدى شعوب أمريكا اللاتينية، لا سيما تشيلي، خاصةً مع مساعي السياسيين وأحزاب اليمين إلى أمننة الهجرة، واعتبار المهاجرين تهديداً للأمن الوطني والتنمية، مشيرةً إلى أن تشيلي اعتُبِرَت من أكثر الدول رفضاً للمهاجرين الفنزويليين، إلى الحد الذي أثار معه تظاهرات على الحدود بين بيرو وتشيلي رفضاً لوجود أولئك المهاجرين.